کد خبر: ۸۱۷۶
تاریخ انتشار: ۱۶ ارديبهشت ۱۳۹۸ - ۱۳:۰۳-06 May 2019
آیت الله محمد صادقی تهرانی

 

www.hakim-elahi.mihanblog.com

 

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 11

 

حِوَار بَيْن الإلهِيّينَ وَ المادِّيين‏

يُؤتِى الحِكمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَداوتِىَ خَيرًا كَثيرًا وما يَذَّكَّرُ الّا اولوا الالبب‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

دروس مقارنة من كافة الفسلفات القديمة و الحديثة بصورة التساؤل و المناظرة تضم الاجابة عن جميع الأسئلة حول وجود اللَّه و توحيده:

ما قيل أو يمكن أن يقال- بصوره حديثة رائعة كما تناسب الأفكار اليوم- متحللة عن الصلاحات المعقدة الفلسفية.

دار التواث الاسلامي‏ للطباعة و النشر و التوزيع‏يروت- لبنان‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 12

 

المقدمة:

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد اللَّه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفواً أحد- و سلامٌ على عباده الذين اصطفى- أنبياء اللَّه العظام و أصفيائه اكرام- لا سيما الرسول الأعظم و النبي الأكرم محمد صلى الله عليه و آله- و على آله المعصومين الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيراً- و السلام علينا و على عباد اللَّه الصالحين.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 13

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

المدخل‏

... في هذا الكتاب: تجد خطوات جبّارة نتمشى بها مع أساليب و نتائج العلوم التي توصّلت إلى أسرار الذرة- و غزت الفضاء و احتلت القمر و نزلت فيها و كشفت من سنن الكون و أسراره و ظواهره ما يحير العقول-

و نتمشى بها مع الأساليب العقلية من الفلسفات الميتافيزيقية «1» مقارناً بينها و بين سائر الفسلفيات من العلوم المادية التجربية-

... خطوات مبرهنة تملك من كافة البراهين الساطعة- نخطوها من الكون إلى خالقه- في جدالٍ بالتي هي أحسن- و حوارٍ كما هو أحرى و أتقن.

نتماشى فيها مع المرتابين الذين زلت بهم الأقدام إلى حضيض المادية العمياء- نستعرض فيها نظرات الباحثين من القبيلين: الإلهي و المادي- بما يلاثم العلم و الفكر اليوم- رفضاً للإصطلاحات المعقَّدة التي لا شأن لها إلا تطويل الطريق و تعقيده.

تجد هنا جواباً كافياً لهذا السئوال: هل لهذا الكون مِن إله؟

السئوال الذي طالما تتطلَّع اليه العقول و تتوق إلى معرفة الإجابة عنه فلسوف تتطلَّع مختلف العقول على شتات مذاهبهافي فكرة الإله: لمعرفة الجواب عن هذا السؤال.

سواء أكان السائل من المثفقين في القرن العشرين- أم ممن ينحو منحى القدماء الميتافيزيقيين العقليين المستأنسين بالأساليب العقلية المحضة- أم من البسطاء

______________________________

 (1)-/ ماوراء الطبيعة

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 14

المتحللين عن كلتا الثقافتين و الفلسفتين.

فإننا سوف نتمشى في هذا الحوار الشامل- مع السذّج البسطاء: بأحكام الفطرة و الحس و العقل الساذج- و مع العقليين: بالفلسفات العقلية المتحلِّلة عن الإصطلاحات- و مع الحسيين التجربيين: بالفلسفات المادية و أساليب و نتائج العلوم التجربية التي توصلت إلى الذرّة و غزو الفضاء و احتلال القمر- فأخذت تصّعَّد نحو السماء حيث ضاقت عليها الأرض بما رحبت.

نستخدم هنا و هناك من كافة الأساليب العامية: قديمة و حدثية- بشرة أم إلهية- و لكي يُعلم: أن الكون بأجمعه- بكافة مافيه- بظاهره و خافيه- محرابٌ واسع تسجد فيه الكائنات لربِّها- و لا نستطيع أن نجد كائناً و لا قانوناً و عاماً يسوده- إلا أنه يخدم فكرة الإله.

فالعلم على تقدمه المطرَّد أصبح يخدم الفكرة الميتافيزيقية و يعيش معها- مزيِّفاً للتفكيرات المادية الإلحادية:

 «سَنُريهِم ءايتِنا فِى‏الافاقِ و فى انفُسِهِم حَتّى‏ يَتَبَيَّنَ لَهُم انَّهُ الحَقُّ او لَم يَكفِ بِرَبّكَ انَّهُ‏عَلى‏ كُلّ شَى‏ءٍ شَهيد» 41: 53.

 «افِى اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّموتِ والارضِ» 14: 10.

 «ام خُلِقوا مِن غَيرِ شَى‏ءٍ ام هُمُ الخلِقون‏. ام خَلَقوا السَّموتِ والارضَ بَل لايوقِنون» 52: 36

 «ولَئن سَالتَهُم مَن خَلَقَ السَّموتِ والارضَ لَيَقولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزيزُ العَليم» 43: 9.

عزيزي القاري‏ء! ... إنه طالما يهاجم الماديون على فكرة الإله: أنها تتنافي و العلم في تقدمه البارع و البديع- و أن في تقدم و تسع العلوم التجربية تأخراً بارزاً في الفلسفة الميتافيزيقية!.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 15

لكنك كن على ثقة: أن أملهم خائب و سعيهم خاسر- إذا رأوا بعيان: أن الكون بأجمعه برهان لا مردَّ له- على وجود خلاق عظيم- لا نستطيع أن ننكره أو نتخلّى‏ عنه أو نتغافل نداءَه- حيث ينادينا بصرخاته المدوِّية و نحن سامعون بكافة ما وُهبنا من وسائل الإدراك.

 «فَفِرّوا الَى اللَّهِ انّى لَكُم مِنهُ نَذيرٌ مُبين» 51: 50.

إننا في هذه البحوث المقارنة الفلسفية نسبر أرغوار الكون بما فيه- فنجد اللَّه عند كل شي‏ءٍ قيوماً على بيده ناصيته- فنسافر من الكون و نفر منه إلى خالقه فراراً من اللّاشي‏ء الى كل شي‏ءٍ- و من الفقير الى الغنيّ- نسبر أغوار الذرة فما فوقها لنسمع صرخاتها المدوية التي تنادي بفكرة الإله صريحة بينة، و اللَّه من وراء القصد هو حسبي عليه توكلت و اليه أنيب.

باب مدينة العلم: النجف الأشرف- محمد الصادقي: ط

بسم اللَّه الرّحمن الرحيم‏

حوار مع السوفسطائيين‏

هل إن هناك كوناً؟ أم:

 كل ما في الكون وهم او خيال‏

 

 او عكوس في المرايا او ظلال؟

 

سير جيمس جينز: إن هذا الكون ليس له وجود فعلي- و إنه مجردة صورة في اذهاننا- فاننا لا نتمكن من تصور العالم بصورة مادية من طريق المفاهيم الفيزيائية الجديدة- حيث لا سبيل لناللتعرف على الكون إلا من طريق المفهوم و هو صورة غير مادية.

الإلهي‏: تبعاً هذا الرأي إننا نعيش في عالم من الأوهام دون أيَّة حقيقة وراءها- و هذا

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 16

رأي و همي لا يحتاج الى مناقضة او جدال، إلا أننا حسب أصلنا في الحوار نتمشى مع أصحاب هذا الرأي في جدال بالتي هي احسن- و لكي ينتبهوا- رغم ان حوار ناليس إلا مع هؤلاء الذين يشاركوننا: أن هناك كوناً و حقيقة مّا.

فنسألهم اولًا: هل إن لرأيكم هذا الحقيقة ام إنه ايضاً هم كسائر الكون؟

فان كان وهماً متحللًا عن الحقيقة- إذاً فللكون حقيقة دل عليها حكمكم بالمجازية و الوهمية!

و ان كان حقيقة- فهذا يتنافى و حكمكم بوهمية الكون- اذ هو جزء كوني- اذاً فالحكم بأن الكون وهم- تصديقه و تكذيبه- تصديق لحقيقة مّا للكون- و ان كان نفسَ هذا الحكم.

ثانياً: لنفرض أننا لا نتمكن من الوصول الى الكون نفسه من طريق مادي فيزيائي- و لكنه أنى‏ يثبت: ان ليس هنا كون و لا كائن؟ فعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود!

ثالثاً: ان هذه الشبهة لا تقيم أما منا سوى مشكلة الشعور و الاحساس- فهو يعني: أن احساسنا بهذا الكون و إدراكنا لما يحدث فيه، لا يعدو وهماً من الأوهام: ليس له ظل من الحقيقة.

فنسألكم: أن لو كانت هناك حقيقة- ترى كيف يجب ان تكون: ذاتها و صفاتها و آثارها- التي لا تجدها الآن؟ و كيف كنا نستطيع ان نتعرف اليها؟

فهل كنا نجد ذات الكون بمادته في ذواتا- لكي لا تكون له حقيقة إلا فينا؟

ام كنا نجد الحقيقة الخارجية متحللة عن كافة الآثار التي نحسها و ندركها الآن؟ ... اذاً فالحقيقة تصبح أسوء حالًا من المجاز- لفقد هاما يجد المجاز من آثار وجودية:

من ون و طعم و حرارة و برودة و حركة و سكون و ثقل و طول و عرض و عمق و ...

و ان كانت الحقيقة تملك ما نجدها الآن من الآثار- اذاً فهي عين ما نجده بآثاره.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 17

فاذ قد نجد في الكون كافة آثار الحقيقة- فما هو المبرر لان نسميه مجازاً خلواً عن الحقيقة اطلاقاً- او وهماً لا يحمل اصالة خارجية.

رابعاً: أن هكذا حكم على الكون خلاف المحسوس- فان ادراكاتنا و احساسينا تكشف عن الكون كشفاً قاطعاً- مهما اخطأت في البعض من اجزائه و خواصه- او جهلت كنهه و جوهره تماماً- فما الإنسان إلا عقلًا فاهماً و حساً تاهامً- يُحِس ما يُحَس و يُلمَس و يدرِك و يعقل ما لا يُحسَ بالحواس الخمس و تكفيه هاتان الطاقتان لاستيعاب الكثير من اجزاء الكون: ظاهره و خافيه استيعاباً عاميا بمستوى طاقاته العلمية.

خامساً: ما دمت غير مؤهَّل للوصول الى حقيقة الكون- فهلا تجد ذاتك: أنها موجودة؟

و لذلك تستطيع ان تتوهم و تحكم؟ و بحسبنا هذا ليثبت: أن هناك كوناً مّا و حقيقة مّا لنبحث عن حدوثه أو أزليته- و انما محور الحوار في فلسفتنا المقارنة: أن هناك كوناً- و إن اختص بالسوفسطائيين!

سادساً: لا ميز في الأعدام من حيث العدم.

فلو كان الكون يعدم أية حقيقة- فاما ذا تختلف المفاهيم و الأفهام؟ و الأشياء و صورها؟ و هي و خواصها؟ و لماذا أختلف أنا و أنت؟ و كل واحد مع غيره؟

فمن اين هذه الاختلافات؟ و لا ميز في الأعدام من حيث العدم! إنما الميز: إما في الموجودات المحضة «1»- أو الاعدام الخليطة بالوجود- نقصٍ يمزج بالكمال- فالميز في هذه الأعدام نتيجة نسبتها الى الوجودات الخاصة: عدم السواد- على البياض- عدم الحرارة ..

فكل هذه توجد في المادة- و هي مختلفة حسب اختلافات الموجودات الخاصة:

______________________________

 (1)-/ على تامل في تعدد الوجود المحض إلّا إذا اريد ما في قمة الكمال و الثمن في الكائن الحادث. ثم الثاني‏ما دونه في الكمال، كما لا تعدد فى العدم المطلق، اللهم إلّا في مطلق العدم و هو الماذج بوجودٍ مّا

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 18

السواد البياض-.

اذاً فكافة البراهين الضرورية تصعف بالسوفسطائية- فلا تُبقى لها على أثر- لأنها فكرة مجازفة لا تملك من مقومات أية فلسفة من الفلسفات- إطلاقاً- و لا يبررها اي منطق.

المادي و الالهى في محاورات‏

الوجود- الكون: كله مادة؟ أو أن وراءَها أزليٌ مجرد عن المادة؟

؟ «العدم/ المجرد ... «العدم/ المادة- الوجود: ف المادة/ الوجود»

 «المجرد/ العدم و المادة/ الوجود- ف: الوجود/ المادة»؟

المادي‏: ... أو في شك؟! أجل: بل و إننا على علم أنه ليس فكيف لا شك فيه؟

إن الفكرة الميتافيزيقية المعتنقة لتصديق الإله المجرد عن المادة- فكرة خرافية رجعية- لا تساعدها العلوم التجربية على تقدمها الواسع- و لا تتلائم مع العلم إطلاقاً.

فهناك منافرة ذاتية بين العلم و بين فكرة الإله- يصدقها التحلل البارز المتواصل عن هذه الفكرة بين العلماء المثفقين في القرن العشرين- إلى حيث لا يكادون يفكرون في إمكان الوجود و الحقيقة لما وراء المادة- فلا يعتبرون وراءها إلا وراء الوجود.

إذاً فكيف ينفي القرآن وجود الشك في اللَّه و ينكره! أ إنكاراً للبديهة الملموسة ليل نهار و عبر القرون و الأعصار: من إنكار الإله المجرد عن المادة؟!

الإلهي‏: إننا لا نتمشى معكم- و لا مع أي محاور- إلا بأقدام العقل و العلم و الحس و الفطرة و لا ندعي أمراً إلا ببرهان يلائمه و يعيه المحاور.

إذاً فالمرجو منكم التماشي معنا في هذه الماحورات كما نتمشى- و كما يحق في المناظرات العلمية الصادقة- و لكي نتطلَّع على ما نرومه و نتحرى به عن الحق:

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 19

إنكم ما أتيتم- طوال جدالكم بشي‏ءٍ- إلا: أن وجود الإله مما يُشك فيه- نقضاً لما تعنيه الآية: «أفي اللَّه شك ...» و انكم على علمٍ من عدم وجوده: استناداً إلى منافرة فكرة الإله مع العلوم التجريبية- و تأييداً بتحلُّل الكثير من العلماء عن هذه الفكرة!

هذا- رغم أن الكون بكافة القوانين العامية الحاكمة عليه، ينادي بصرخة مدوية: أنه بحاجة ماسة إلى المكوِّن، الذي لا يجانسه و لا يماثله- و بذلك نزول كافة الشكوك حول فكرة الإله.

و القرآن ينقل مقالة رائعة منبثقة عن العقل و العلم و عن الكون اطلاقاً ينقلها عن الرسل: و هي عدم جواز الشك في اللَّه- استناداً إلى انفطار و حدوث السماوات و الارض- و أن لكل منفطر فاطراً بحكم العقل:

 «قالَت رُسُلُهُم افِى اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّموتِ والارضِ؟» 14: 10

فأنبياء اللَّه ذ يستنكرون جواز الشك في فاطر الكون- لا ينفون وجود الشاك و الشك فيه- انما ينفون جوازه بسناد العقل- و ذن شك فيه و ارتاب الكثير من هؤلاء الذين خانوا عقولهم و لم يعطوها حق أحكامها و ما رعوها حق رعايتها.

إن الأعمى و المطبِق لا يُبصران الشمس حين تشرق في رايعة النهار- فلو أنهما شكّا في طلوع الشمس و وجودها- فهل إذ ذلك يخل بقاطعية ضوء الشمس حتى يكذَّب القائل: أفي الشمس شك حيث أضاءت علينا بأنوارها؟

فنفي جواز الشك في اللَّه ليس إلا لان الشاك فيه لا يملك أية حجة لتبرير شكّه- كنفي الريب في القرآن عن ساحة وحيه المنير:

 «آلم. ذلك الكتاب لا ريب فيه ...» 3: 1- 2 فإنه لا ينفي وجود الربية عن المرتابين فيه- إنما ينفي مقوِّمات الريب عن القرآن: أن ليس فيه ما يُريب الناظر فيه- إذ لا اختلاف فيه: أفلا يتدبرون القرآن و لو كان من عند غير اللَّه لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً 4: 82.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 20

فعدم وجود اختلاف في ألفاظه و معانيه- ينفي ربية الإختلاق عنه- إذ إنه لا يستطع مَن سوى اللَّه أن يأتي بكتاب لا يوجد فيه أي اختلاف.

هل إن بين العلم و فكرة الإله منافرة؟

العقل و العلم و الكون بكافة ما فيه، و العلماء المزاولون للعلوم التجربية: هؤلاء يصدقون أن هناك رباطاً عريقاً بين العلم و فكرة الإله، و يعيشون مع هذه الفكرة طوعاً أو كرهاً!

أفليس يقول العلم: كان حادث بحاجة ماسة إلى محدث؟

أليس العقل يحيل حدوث شي‏ءٍ دون علة تعاصره؟

أليس العلم لا يزال يفتِّش عن علل الحوادث الخفية؟

أفليس إذا كان الكون حادثاً- كما يدل عليه ذاته و آثاره- فهو بحاجة إلى محدث؟

أهذه خرافة ميتافيزيقية تنافى و العلم؟

أفي اللَّه شك فاطر السماوات و الارض؟

أفي اللَّه شك؟ و الفطرة ناطقة أن السماوات و الأرض لهما فاطر فطرهما:- ليس من جنسهما- قالت رسلهم: هذا الإستنكار- لأن السماوات و الأرض آيتان هائلتان بارزتان- فمجرد الإشارة اليهما يكفي- و يرد الشارد الى الرشد سريعاً و لم يزيدوا على الإشارة شيئاً لانها وحدها تكفي.

يقول اندرو كول نواي ايفي- عالم فسيولوجي‏ «1» تحت عنوان:

انكار وجود اللَّه لا يستند الى دليل:

______________________________

 (1)-/ من العلماء الطبيعيين ذوي الشهرة العالمية من سنة 1925- 1946 رئيس قسم الدراسات الفسيولوجية و الصيدلية بجامعة نورث و سترن- من سنة 1946- 1953- استاذ في كلية الطب و وكيل الكلية في جامعة النيوى- في وقت الحاضر: استاذ الفسيولوجيا و رئيس قسم العلوم الاكلينيكية بكلية الطب بجامعة شيكاجو

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 21

 «إن أحداً لا يستطيع أن يثبت خطأ الفكرة التي تقول «إن اللَّه موجود» كما أن احداً لا يستطيع أن يثبت صحة الفكرة التي تقول «ان اللَّه غير موجود»-

و قد ينكر منكرٌ وجود اللَّه- و لكنه لا يستطيع أن يؤيد إنكاره بدليل- و أحياناً يشك الإنسان في وجود شي‏ء من الأشياء- و لابد في هذه الحالة ان يستند شكه إلى اساس فكري.

و لكنني لم اقرأ و لم أسمع في حياتي دليلًا عقلياً واحداً على عدم وجوده تعالى‏- و قد قرأت و سمعت في الوقت ذاته أدلة كثيرة على وجوده- كما لمست بنفسي بعض ما يتركه الإيمان من حلاوة في نفوس المؤمنين- و ما يخلفه الإلحاد من مرارة في نفوس الملحدين.

و البرهان الذي يتطلَّبه الملحدون لإثبات وجود اللَّه هو نفس البرهان الذي يُطلب لو كان اللَّه تعالى‏ شبيهاً بالإنسان أو شيئاً مادياً- أو حتى تمثالًا من التماثيل أو صنماً من الاصنام ...»

اقول: و هذه قبسة من مشكاة القرآن و كما يقول: «وَ قالوا ما هيَ إلا حياننا الدّنيا نموت و نحيا و ما يهلكنا إلا الدهر و ما لهم بذلك من علم ان هم الا يظنون» 45: 24.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 22

 

العلم و العلماء في فكرة الإله‏

1- ادوارد لوثر كيسيل‏ «1»LFSSEKREHTUL DRAWDE

 «أضاف البحث العلمي خلال السنوات الأخيرة أدلة جديدة على وجود اللَّه- زيادةً على الأدلة الفلسفية التقليدية ... فقد كان في الإثباتات القديمة ما يكفي لإقناع أي إنسان يستطيع أن ينظر إلى الموضوع نظرة مجردة عن الميل أو التحيُّز- و أنا بوصفي ممن يؤمن باللَّه أرحِّب بهذه الأدلة الجديدة لسببين: فهي أولًا تزيد معرفتنا بآيات اللَّه وضوحاً- و هي ثانياً تساعد على كشف الغطاء عن أعين كثير من صرحاء الشكيين حتى يسلِّموا بوجود اللَّه.

لقد عمَّت في أمريكا- في السنوات الأخيرة- موجة من العودة إلى الدين- و لا تتخطّ هذه الموجة معاهد العلم لدنيا- و لا شك أن الكشوف العلمية الحديثة التي تشير إلى ضرورة وجود إله لهذا الكون قد لعبت دوراً كبيراً في هذه العودة إلى رحاب اللَّه و الاتجاه إليه- و طبيعي أن البحوث العلمية التي ادت إلى هذه الأدلة- لم يكن يقصد من اجراءها اثبات وجود الخالق- فغاية العلوم هي البحث عن خبايا الطبيعة و استغلال قواهاً- و هي لا تدخل في البحث عن مشكلة النشأة الأولى- فهذه من المشكلات الفلسفية- و العلوم لا تهتم إلّا بمعرفة: كيف تؤدي الأشياء وظائفها؟ و هي لا تهتم بمعرفة: من الذي جعلها تعمل أو تؤدي هذه الوظائف؟

و لكن كل إنسان- حتى اولئك الذين يشتغلون بالعلوم الطبيعة- لديه ميل أو نزعة

______________________________

 (1)-/ اخصائي في علم الحيوان و الحشرات- حاصل على دكتوراه من جامعة كاليفورنيا- استاذ علم الحياة و رئيس القسم بجامعة فرنسيسكو متخصص في دراسة اجنة الحشرات و السلامند و الحشرات ذوات الجناحين‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 23

نحو الفلسفية- و مما يؤسف: أن المرموقين من العلماء ليسوا دائماً من الفلاسفة الممتازين. فقليل منهم هم الذين يفكرون في أمور النشأة الأولى-.

و لو أن جميع المشتغلين بالعلوم نظروا الى ما تعطيهم العلوم من الأدلة على وجود الخالق- بنفس روح الأمانة و البعد عن التحيُّز الذي ينظرون به إلى نتائج بحوثهم، و لو أنهم حرَّروا عقولهم من سلطان التأثر بعواطفهم و انفعالاتهم- فانهم سوف يسلِّمون- دون شك: بوجود اللَّه- و هذا هو الحل الوحيد الذي يفسِّر الحقائق.

فدراسة العلوم بعقل منفتح سوف تقودنا- بدون شك- الى ادراك وجود السبب الول الذي هو اللَّه.

و لقد منّ الخالق على جيلنا و بارك جهودنا العلمية بكشف كثيرٍ من الامور حول الطبيعة- و صار من الواجب على كل إنسان- سواءٌ أكان من المشتغلين بالعلوم أم من غير المشتغلين بها: أن يستفيد من هذه الكشوف العلمية في تدعيم ايمانه باللَّه.

 «ثم بعد سرد البراهين من العلوم التجربية على حدوث المادة- يستمر قائلًا»:

و لا يتسع المقام لسرد أدلة أخرى لبيان الحكمة و التصميم و الإبداع في هذا الكون- و لكنني وصلت إلى كثير من هذه الأدلة- فيما قمت به من البحوث المحدودة حول أجنّة الحشرات و تطوُّرها- و كلَّما استرسلت في دراستي للطبيعة و الكون- إزداد اقتناعي و قوى إيماني بهذه الادلة.

فالعليات و الظواهر التي تهتمُّ العلوم بدراستها- ليست إلَّا مظاهر و آيات بينات على وجود الخالق المبدع لهذا الكون- و ليس التطور إلا مرحلةً من مراحل عملية الخلق.

و برغم أن صيحات الماديين قد حجبت كثيراً من الباحثين الأمناء عن الحقيقة- فإن فكرة التطور الخلقي لا يمكن أن تكون منافية للعقيدة الدينية، بل على النقيض من ذلك نجد من الحماقة و التناقض في الرأي: ان يسلِّم الانسان بفكرة التطور- و يرفض ان يسلِّم‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 24

بحقيقة وجود الخالق الذي أوجد هذا التطور.

لقد عاش منذ عهد أو جستين العظيم في القرن الرابع حتى اليوم- كثيرٌ ممن آمنوا باللَّه- و رفضوا فكرة الخلق بمعنى الصناعة- و قبلوا فكرة الخلق على اساس التطور-.

و الواقع أنه بالنسبة لهؤلاء- و أنامن بينهم- نجد أن للتطور أهمية من الناحية الدينية- فهو يقود العقل الأمين المتجرد عن التحيُّز إلى فكرة وجود اللَّه تعالى‏

و أعود فأقول: إن دراسة العلوم بعقل منفتح تجعل الإنسان يسلِّم بضرورة وجود اللَّه و الإيمان به.

2- كارل هايم‏ME] H LRAC

 «إن عجائب الصنع و رموزه البديعة تضطرنا إلى الإعتقاد بوجود خالق حكيم وراء المادة- لا أنها تجوِّزه فحسب!»

3- و ولتر أوسكار لندبريج‏ «1»GREDNUL RACS [RETLAW

 «للعالم المشتغل بالبحوث العلمية ميزة على غيره- إذا استطاع أن يستخدم هذه الميزة في إدراك الحقيقة حول وجود اللَّه- فالمبادى‏ء الأساسية التي تستند إليها الطريقة العلمية التي تجري بحوثه على مقتضاها- هي ذاتها دليل على وجود اللَّه- و قد ينجح كثير من رجال العلوم- الذين لا يدركون هذه النقطة في أعمالهم كعلماء- و لا ينبغى أن نعتبر هذا النجاح متناقضاً للحقيقة التي أشرنا إليها- فالنجاح في دراسة العلوم يعتمد تماماً على استخدام أسلوب معين- و لا يتوقف بعد ذلك على مدى تقدير العالم للمبادى‏ء الأساسية التي يقوم عليها هذا الأسلوب.

أسباب إنكار وجود اللَّه رغم أن العلوم تثبته:

______________________________

 (1)-/ عالم الفسيولوجيا و الكيميا الحيوية- حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة جونز هو بكنز- استاذ فسيولوجية بجامعة منيسوتا- استاذ الكيميا الحيوية الزراعية بجامعة منيسوتا-

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 25

و يرجع فشل بعض العلماء في فهمهم و قبولهم لما تدل عليه المبادي‏ء الأساسية التي تقوم عليها الطريقة العلمية من وجود اللَّه و الايمان به- إلى اسباب عديدة- نخص اثنين منها بالذكر:

اولا: يرجع إنكار وجود اللَّه في بعض الأحيان إلى ما تتبعه بعض الجماعات او المنظَّمات الإلحادية أو الدولة من سياسة معيّنة ترمي إلى شيوع الإلحاد و محاربة الإيمان باللَّه- بسبب تعارض هذه العقيدة مع صالح هذه الجماعات أو مبادئها.

ثانياً: و حتى عندما تتحر العقول من الخوف فليس من السهل أن تتحر من التعصب و الأهواء.

ففي جميع المنظمات الدينية المسيحية تبذَل محاولات لجعل الناس يعتقدون منذ طفولتهم: في إله هو على صورة الإنسان- بدلًا عن الإعتقاد بأن الإنسان قد خلق خليفة للَّه على الأرض‏ «1».

و عندما تنموا العقول بعد ذلك- و تتدبَّب على استخدام الطريقة العلمية- فإن تلك الصور التي تعلمَّوها منذ الصغر- لا يمكن أن تنسجم مع أسلوبهم في التفكير- أو مع اي منطق مقبول.

و أخيراً عندما تفشل جميع المحاولات في التوفيق بين تلك الأفكار الدينية القديمة- و بين مقتضيات المنطق و التفكير العلمي- نجد هؤلاء المفكِّرين يخلصون من الصراع بنبذ فكرة اللَّه كلية.

و عندما يصلون إلى هذه المرحلة- و يظنون أنهم تخلِّصوا من أوهام الدين و ما ترتب‏

______________________________

 (1)-/ لا تعني خلافة الانسان للَّه‏على الارض: انه يخلف اللَّه في الارض- لانه إله الارض كما هو إله السماء- انما تغني: ان اللَّه يخلقه خلقاً عن خلف- و قد خلق هذا النسل الموجود خليفة لمن قبله من نسل يشبهه و التفصيل الى موسوعتنا «البشارات و المقارنات ج 1 ص 369»

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 26

عليها من نتائج نفسية- لا يحبون العودة إلى التفكير في هذه الموضوعات- بل يقاومون قبول ايَّة فكرة جديدة تنصل بهذا الموضوع و تدور حول وجود اللَّه».

4- البرت انيشتاين‏ «1».

 «إن في هذا الكون المرموز المجهول قدرة عاقلة قادرة- يدل عليها نفس الكون بما فيه».

5- بول كلارنس ابرسولد «2»

ECNERALC LUAP DLISREBEA

 «قال الفيلسوف الانجليزي- فرانس بيكون- منذ أكثر من ثلاثة قرون: «إن قليلًا من الفلسفة يقرِّب الإنسان من الإلحاد- أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين»-

و لقد كان بيكون على صواب فيما ذهب إليه ....

 «لسنا إلا في فجر العلوم- و لكن كل إلمامه الجديدة و كل تزايد لنور المعرفة تأتينا ببرهان جديدعلى: أن كوننا هو حقاً صنيعة عقل خلّاق فعّال- كذا يعتمد الإيمان على المعرفة- و يشعر العالم في كل مرحلة جديدة بقطعها- أنه: يقترب من اللَّه- و قد وجدت في العلم شخصياً سبع علل كبرى أرسي عليها قواعد إيماني» «3» ... ثم يستمر في بيانها كما سوف تأتي في مناسباتها.

7- ارتين بوكس كريدر «4»

______________________________

 (1)-/ هو في غنى عن التعريف به‏

 (2)-/ استاذ العلوم الطبيعية الحيوية- حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا- مدير قسم النظائر و الطاقة الذرية في معامل- اول ريدج- عضو جمعية الابحاث النووية و الطبيعة النووية

 (3)-/ رئيس المجمع العلمي في نيويورك سابقاً- بنقلها عنه: اللَّه محبة ص 82

 (4)-/ العالم الفيزيائي الحاصل على رتبة..- دكتوراه في الفلسفة من جامعة «مري لند» و الاستاذ في علم الحياة في كالج «نازارن» الشرقي- وعضو جمعية علم الحياة في امريكا- و المتخص في متابوليسم و جريان الدم‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 27

 «إنني بصفتي مداوماً في التحقيقات العلمية- لا أشك أبداً في وجود اللَّه الخالق المتعال- إننا نشاهد الكون على نظام بارع دقيق فنستدل بذلك على خلّاق له عليم- فنظام قوانين الكون بالغ إلى درجة يفسح لنا مجال الإبناء عن حركات السيارات و الأقما الصناعية و كيفايتها قبل حركاتها- و نتمكن كذلك على ضوء المعادلات الرياضية- من بيان و تفسير كثير من الحوادث الطبيعية.

و من وجهة النظر في علم وظائف الأعضا نتمكن من تصديق خلاق عليم ......»

8- جورج ايرل دافير «1»SIVAD LRAE EGR [EG

 «كاما تقدم ركبالعلم و تضاءلت الخرافات القديمة- إزداد تقديرالإنسان لمزايا الدين و الدراسات الدينية.

... ليس معنى ذلك: أننا ننكر وجود الإلحاد و الملحدين بين المشتغلين بدراسة العلوم- إلا أن الإعتقاد الشائع: بأن الحاد منتشر بنى رجالالعلوم أكثر من انتشاره بين غيرهم- لا يقوم على صحته دليل- بل إنه يتعارض مع ما نلاحظ فعلًا من شيوع الإيمان بين جمهرة المشتغلين بالعلوم ...

إننا نستطيع أن نتحقق من وجود اللَّه باستخدام العقل و الإستنباط مما نتعلمه و نراه ... و كما ارتقى و تقدم تطور المخلوقات- كان ذلك أشد دلالة على وجود خالق مدبر وراء هذه الخلق.

9- رسل شارلزارتست‏ «2»TSITRA SELGRAHC LLESSUR

______________________________

 (1)-/ عالم الطبيعة- حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة منيسوتا- رئيس قسم البحوث الذرية بالبحرية الامريكية ببروكلين- اخصائي في الاشعاع الشمسي و البصريات الهندسية و الطبيعية

 (2)-/ اخصائي علم الاحياء والنبات- حاصل على درجة دكتوراه من جامعة منيسوتا- استاذ في جامعة فرانكفورت بالمانيا- عضو الاكاديمية العلمية بانديانا- مؤلف الكثير من البحوث البيولوجية

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 28

 «... أنا لا أريد أن اقول: إنني أو من باللَّه بسبب عجزى في الوقت الحاضر عن إدراك سبب ظاهر الحركة في «البروتوبلازم» أو غيرها من الظواهر- و أنا أعلم: أن كثيراً من الناس يستخدمون هذا الأسلوب من أساليب المنطق- و يقولون: إذا كانت العلوم عاجزة عن التفسير فلابد من التسليم بوجود اللَّه- و لكنني أرفض هذا المنطق رفضاً باتاً و أقول:

إنه حتى عندما نكتشف الحقايق- و يزول عنا ذلك الغموض يوماً من الأيام- و نصير قادرين على فهم الخليّه الحيَّة بصورة أفضل- فإننا لا نفعل- أكثر من ان نتتبَّع و نتدبر ما صنعه و دبره خالق و مدبر أكبر- و هو الذي جعله يتحرك و يؤدي كل وظائفه ...»

10- اوليور و ندل هولمز «1»SEMLOH LLEDNEW REVILO

 «كاما تقدمت العلوم البشرية إلى الأمام- اخذت الفواصل بين العلم و المذهب تنمحي و تذوب شيئاً فشيئاً- و على ضوء التكامل الإيمان باللَّه تعالى‏

11- سر جيمز جينزSNAEJ SEMAJ RIS

 «لئن عبرّنا عن الفكون بالفكرة العظيمة- كان أحرى من أن نعتبره مكينة عظيمة- إذ العالم صنع فكرةٍ خلاقة ما لها من نظير».

2- آلبرت ماكومب و نشتر «2»

 «هل من الممكن أن يكون للمشتغل بالعلوم نفس الإعتماد بوجوداللَّه- و التقديس له- كغير المشتغل بالعلوم؟ و هل يوجد في دائرة المكتشفات العلمية ما يمكن أن يقلل من تقدير الإنسان لقدرة الخالق الأعظم و جلاله؟

______________________________

 (1)-/ العالم الطبيعي الكبير- بنقله عن ايرونيك ويليام نبلوج‏

 (2)-/ متخصص في علم الاحياء- حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة تكساس- استاذ الاحياء بجامعة بايلور- عميد أكاديمية العلوم بفلوريدا سابقاً- اخصائي في علم الوراثة و في تأثير الاشعة السيلية على الدروسوفيلا

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 29

تلك أسئلة تطوف أحياناً بعقول بعض من يظنون أن العلماء في ميادين بحوثهم المتسعة يكتشفون من الحقايق ما قد يتعارض مع الدين- حسب تفسير بعض المفسرين!

و من أمثلة ذلك ما حدث لي شخصاً- عندما كنت طالباً بالجامعة- و كنت قد قررت أن أدرس العلوم- و إنني لا ذكر جيداً: كيف أخذتني إحدى عماني جانباً ذات يوم و توست إلى: أن اعدل عن هذا القرار- لأن العلوم- كما كانت تعتقد- سوف تقضي على ايماني باللَّه- لقد كانت تعتبر- كما يعتبر الكثيرون: أن العلوم و الدين قوتان متعارضتان- و أنهما لا يمكن أن يجتعا في قلب رجل واحد «1».

و إنني لأشعر بالغبطة تملأ قلبي اليوم- بعد أن درست العلوم المختلفة- و اشتغلت بها سنوات عديدة- و لم يكن في ذلك ما يزعزع إيماني باللَّه- بل إن اشتغالي بالعلوم قد دعم إيماني باللَّه- حتى صار أشد قوة و أمتن أساساً مما كان عليه من قبل‏ «2».

ليس من شك أن العلوم تزيد الانسان تبصّراً بقدرة اللَّه و جلاله- و كلما اكتشفت الإنسان جديداً في دائرة بحثه و دراسته زاد إيمانه باللَّه- لقد حلّ العلم محل كثير من الخرافات القديمة إلى المشاهدة و التجربة ... إن إيماننا باللَّه لم يتزعزع بسبب معرفتنا بهذه الحقائق- بل ازددنا علماً به و بالعالم الذي خلقه سبحانه و تعالى‏- و كذلك بتلك الكائنات التي يصبيب بها من يشاء ...»

13- اندرو كونو اي ايفى‏- عالم فسيولوجي‏ «3»: يقول تحت عنوان:

مبدأ السببية:

______________________________

 (1)-/ آنهاكانت مصيبة بعض الاصابة حيث العلوم و ان كانت لا تتنافى وا لدين الحق- و لكنهما تنافى و الخرافات الكنيسة في فكرة الاله انه بشر متولد من امرأة- صلب و لعن ضحية الذنوب!

 (2)-/ و ذلك ترك العقيدة الكنيسة في فكرة الاله المثلث الاقانيم- فالتحلل عن الفكرة الكنيسة بالنسبة للاله يفسح المجال للايمان الصادق باللَّه على ضوء مختلف العلوم‏

 (3)-/ سبق التعريف به‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 30

منذ سنوات عديدة كنت أجلس إلى مائدة الطعام مع جماعة من رجال الأعمال- و كان معنا أحد مشهوري رجال العلوم- و في أثناء الحديث الذي دار بيننا قال أحد رجال الأعمال: «سمعت أن معظم المشتغلين بالعلوم ملحدون. فهل هذا صحيح؟».

ثم نظر رجل الأعمال إليّ فأجبته قائلًا: «إنني لا أعتقد أن هذا القول صحيح. بل إنني- على نقيض ذلك- وجدت في قراءتي و مناقشاتي: أن معظم من اشتغلوا في ميدان العلوم من العباقرة لم يكونوا ملحدين- و لكن الناس أساءوا نقل أحاديثهم أو أساءوا فهمهم».

ثم استطردت قائلًا: «إن الإلحاد- أو الإلحاد المادي: يتعارض مع الطريقة التي يتبعها رجل العلوم في تفكيره و عمله و حياته- فهو يتبع المبدأ الذي يقول بأنه لا يمكن أن توجد آلة دون صانع- و هو يستخدم العقل على أساس الحقائق المعروفة- و يدخل إلى معمله يحدوده الأمل و يمتلى‏ء قلبه بالإيمان ...»

مواع الايمان باللَّه‏

هذه نظريات نفر من العلماء المزاولين للعلوم التجريبية! إذاً فالعلوم لا تتنافى و فكرة الإله- إنما هذه هي:

1- الظروف السياسية المستبدة التي ترمي إلى شيوع الإلحاد و محاربة الإيمان باللَّه من ناحية.

2- و المنظَّمات و البيئات الكنيسة المسيحية التي تَبذل محاولات لجعل الناس يعتقدون منذ طفولتهم: في إله هو على صورة الإنسان مثلّث الأقانيم- صُلِبَ بأيدي عباده ضحيّةً لذنوبهم- من ناحية أُخرى.

3- و طبيعة التحلل عن القوانين الإلهية المحدِّدة للشهوات- هذه الطبيعة الشرّ يرة التي قد تقضي على قضاء العقل و الفطرة- من ناحية ثالثة.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 31

هذه الكوارث هي التي تسبب هذه الإنتكاسات الإلحادثة في فكرة الإله- لحدّ قد يعتبر إنكار وجوده مبرهناً جلياً.

لذلك نرى الملحدين في اللَّه بين المسيحيين أكثر منهم بين سواهم: من المليين- إذ إن العلم و إن كان يصدِّق فكرة الإله أصالة- و لكنه يتنافى و كون الإله إنساناً عاجزاً ولد و صُلِبَ! ذلك تراهم قد يرفضون فكرة الإله- لا لشي‏ءٍ- إلا لأن الإله الذي اعتنقوه منذ الطفولة في الكنائس- ليس بالذي يمكن أن يكون خالقاً للعالم!

و لكن العلماء المتحللين عن إله الكنائس- هؤلاء باستطاعتهم أن يتقدموا في فكرة الإله على ضوء تقدمهم في العلوم و بمستواها- لا سيما المتحررون منهم عن السياسات المستبدة الماركسية الإلحادية التي ترمي إلى محاربة فكرة الإله- و عن أطر الشهوات التي تلهي عن هذه الفكرة العاقلة العادلة.

فهؤلاء الأحرار تتاح لهم فُرَص و مجالات واسعة الأطراف لاستخدام العلوم في سبيل فكرة الإله رغم أن البحوث العلمية التي تؤدي إلى هذه الفكرة لم تكن لتُقصد من اجراءها اثبات وجود الخالق- فغاية العلوم هي البحث عن خبايا الطبيعة و استغلال قواها- و هي لا تدخل في البحث عن مشكلة النشأة الأولى.

المادة ليست هي الوجود كله‏

و انما هي شكلية تافهة من مجادلاته‏

هم رجل و نحن رجال!

المادي‏: ... أجل- فهؤلاء رجالٌ و نحن رجال- ليس علينا ان ننحو منحاهم دون برهان- كما أنهم يفتفون أثرَنا نحن الماديين في فكرة أصالة المادة- فرغم أنهم لا يشكون في اللَّه- فاننا في شك منه مريبٍ- أو على أنه ليس هناك إلهٌ خالق وراء المادة- للفورمول‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 32

التالي:

الوجود/ المادة و المادة/ الوجود؟!

المادة لا سواها!

إن الكون حقيقةٌ لا مراء فيها- و لكنه ليس إلا المادة دون سواها- إذ لا نجد إلا إياها- فكما أنه هُراءٌ أن يقال:

 كلُّ ما في الكون وهمٌ أو خيال‏

 

 أو عكوس في المرايا أو ضلال‏

 

كذلك ما يقال: إن الأصل في الحقيقة هو المجرد الأزلي وراء المادة، رغم أنه لا يصدقه لحس و العلوم التجريبية-، فإننا كلما نسبر أغورا الكون على ضوء العلوم لا نجد إلا المادة و خواصها و تفاعلها- طوال البحوث العلمية التجريبية- و كل ما لا يصدقه العلم يصبح جهلًا و خرافة!

علم الوجدان لا يدل على عدم الوجود:

الإلهي‏: لنفرض أنكم في شك من وجود اللَّه- و لكنه شكٌ غير مريب- اذ إن الشك المريب ما يستند الى حجة تُريب الإنسان فيما يعلق بفكره م أفكار- و لا حجة في الكون تريب الإنسان في فكرة الإله، بل إن الكون بكافة أطوار، جندٌ صامد في سبيل إثبات وجود اللَّه- و عدم وجدان الشي‏ء لا يصبح دليلًا على عدم وجوده!

و تدّعون أخيراً أنكم على علم: ان ليس هناك إله وراء المادة! فلماذا؟

ألأنكم عرفتم كل ما في الكون فلم تجدوا اللَّه؟! ... إنَّ أحداً من العلماء لا يزعم هذا حتى اليوم- و إن في هذه الارض وحدها من الخلائق الحية لكثيراً ما يُكشف وجوده يوماً بعد يوم- و لم يقل أحدٌ: أن سلسلة الكشوف للأحياء في الارض وقفت أو ستقف في يوم من الأيام-

هذا! فكيف بمن لا تحويه الأرض و لا السماء و ليس بمتناول الحس: و هو الذي في‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 33

السماء إله و في الأرض إله 43: 84.

ألأنكم عرفتم كل القوى المكنونة في هذا الكون- فلم تجدوا اللَّه من بينها؟! .. إن أحداً لا يدعي هذه الدعوى- فهناك قوىً مكنونة تُكشَف كل يوم- و هي كانت مجهولة بالأمس! و العلماء جادّون في التعرُّف إلى القوى الكونية- و هم يُعلنون في تواضع قادتهم إليه- كشوفَهم العلمية ذاتها: أنهم يقفون على حافة المجهول في هذا الكون- و أنهم لا يكادوا يبدأون بعد!

الأنكم رأيتم كل القوى التي استخدمتوها- فلم تروا اللَّه من بينهما؟ فليس اللَّه من القوى التي يستخدمها الذنسان في علومه- و لا أن كل القوى‏ترى! فإن العلماء يتحدثون عن الكهرب بوصفه حقيقة علمية منذ توصلوا إلى تحطيم الذرة- و لكن حداً منهم لم ير الكهرب قط- و ليس في معاملهم من الأجهزة ما يفرزون به كهرباً من هذه الكهارب التي يتحدثون عنها.

و يتحدثون عن قوة الجاذبية العمومية التي يربطون بها كافة العلوم التجريبية- رغم أن أحداً لم يجدها وجدان الحس المادي- و انما آثارها القاطعة هي التي تدلهم عليها دون ريب.

و يتحدثون عن الروح و العقل و الجنون و الحطب و البغض- و أشباه ذلك مما ليس بمتناول الحس و لا العلوم التجريبية- إلا بآثارها فحسب!

إذاً ففيمَ هذا الجزم: «أن اللَّه لا يكون» و أن فكرة الإله المجرد خرافية لا تملك أيّة حقيقة!؟ و معلومات البشر عن هذا الكون و قواه و سكانه من الضآلة بحيث لا تسمح لإنسان يحترم عقله: أن يجزم بعدم وجود شي‏ءٍ مّا- إلا أن يحيله عقله الجازم و فطرته غير الدخيلة.

 «و قالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت و نحيا و ما يهلكنا إلا الدهر و ما لهم بذلك من‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 34

علم إن هم إلا يظنون» 45: 24.

أجل و أنّى هم العلم بما لم يحيطوا به علماً .... نكم لا تجدون اللَّه حسبيّاً و لن تجدوه هكذا- فكل محسوب محدودٌ مركبٌ متغيرٌ و مخلوق- فكيف تحاولون أن تجدوا اللَّه بالإحساس المادي؟ فإنه خفيُّ بالذات غاية الخفاء- و جلي‏ىٌ بالآثار و الآيات غاية الجلاء- و الكون بكافة ما فيه آية بينة تدل عليه دون مراءٍ و أنتم المايين ظللتم تجاهدون بالعلوم التجريبية و العقول المحدودة لإدراك غير المحدود من ذاته تعالى‏- و المعرفه الحقيقة المغيبة عن طريق الحس و الذحاطة العقلية- فهكذا ظلتم كالأطفال الذين يصعدون جبلًا شاهقاً لا غاية لقمته- ماحولة حلَّ لُغَز الوجود- و انتم لم تُتقنوا بعدُ أبجدية الهجاء من الكون: الحروف التكيوينة المادية- و هي الذرات اأولية لمختلف شكليات المادة!

انتم!!!

و لكن العلماء ليسوا ممن يعتقدون في قدرة العلوم على كل شي‏ءٍ- حق تستطيع ان تجد تفسيراً لكلِّ شي‏ء- فالعلوم لا تستطيع ان تحلل الحق و الجمال و السعادة- كما أنها عاجزة عن ان تجد تفسيراً لظاهرة الحياة أو وسيلة لإدراك غايتها- إذاً فهي اشد عجزاً عن أن تثبت عدم وجوده تعالى‏

إن العلوم متهمّة بتحسين نظرياتها- و هي تحاول ان تكشف عن كنه الحقيقة- و لكنها كلما اقتربت من هذين الهدفين زاد بعداً عنهما- و بالرغم من كل ذلك فإنها لا تدج بداً م الإذعان بوجود خالق أزلي مجهول الكنه و الحقيقة- إلا أنه: «باينٌ عن خلقه و خلقه باينٌ منه- لا هو في خلقه و لا خلقه فيه».

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 35

 

الادراكات الموهوبة؟

المادي‏: لنفرض أن هناك إلهاً وراء المادة و الحس- إلا أننا لم نوهَب من وسائل الإدراك إلا المادية منها- فما علينا إذ ا نصدق الإله المجرد و لا نكذبه- فانما نشك فيه- حيث انحصرت وسائل الإدراك في المادية لا سواها!

الإلهي‏: ... اولًا: لا تنحصر وسائل الإدراك في الإحساس المادي- إذ العقل يدرك المعضلات و الويصات غير المادية في الحساب و الجبر و اللوغاريتم و ما الهيا من أحكام و تصديقات كلية خارجية عن ظروف المادة و ملابساتها.

فهل إن الاستدلال و النتيجة الحاصلة عن تلكم المسائل العضلة: هل إنها محسوسة بشي‏ءٍ من الحواس الخمسة المادية؟ إاذً فما للعوام السذج لا يدركونها؟ ألِفَقد الإحساس؟

أم لعدم كون ذلك مما يُنال بالحس؟

لا نقول: إن العق لمجرد عن المادة اطلاقاً- إنما نقول: إنه ليس بذاته محسوساً بهذه الحواس الخمسة- و كذا ما يحكم به من حكام و يبرهن عليها من براهين.

ثانياً: لا ينحصر تصديق وجود شي‏ءٍ بادراكه بذاته حسيّاً او عقليّاً فإننا نحكم جازمين بوجود أشياءٍ إذ نجد آثارها بما وُهبنا من الإحساس الماديّ- و كما في قوة الجاذبية و المغناطيسية و أمثالهما.

و كما نحكم بالعقل و الجنون و العلم و اجلهل و الحب و البغض- و ما إلى ذلك من غير المحسوس- نحكم بها لا لشي‏ءٍ إلا أننا نجد آثارها ظاهرة بينة.

فلنحكم كذلك: أنّ هناك إلها خالقاً مجرداً عن المادة- إذ نجد الكون يدل عليه بحدوثه و نظامه البارع البديع- فإنما الكون محراب واسع تسجد فيه الكائنات لربها و تدل عليه بذواتها و صفاتها و آثارها-.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 36

و كلمة الفصل في وجدان الإله المجرد: أنه لا يُدرك بالإحساس المادي و محالٌ ان يُدرك به ذاتياً- إن إنّ إلتماس إدراكته بالحاسَّة إلتماس لإدراك الشي‏ئ بغير ما يلائمه و يناسبه من وسائل الإدراك- و إنما ذلك كمن يريد الإستماع بالبصر و الرؤية بالسمع و الذوق باللمس و اللمس بالذوق- بل و أبعد منه و أضل سبيلًا!

أجل- و إن لكلِّ مدرَكٍ وسيلةً أو وسائل خاصة تناسبه- مادّية أو مجردة- و الإله المجرد محالٌ أن يُدرك بالإحساس المادي- و ماحلٌ أن يُحاطَ به علماً بالعقول- فإنه مرجدٌ غير محدود- فكيف يُدرَك ذاتياً بالوسائل المادي أو العقلية المحدودة- و إنّما السبيل الوحيد إلى الإذعان بوجوده- الآثار التي تدل عليه- و الكون بأجمعه: بكمّه و كيفه و نظمه و أثره و آيته القاطعة الدالة عليه.

و في كلِّ شي‏ءٍ له آية تدّل على انه خالق: عالم، قادرف حيّ، مختار و ...

ثم إن الإحساس المادي ايضاً بحاجة ضرورية في نطافة الواسع إلى تصديق العقل و القوة المدركة غير الظاهرة و لولاها لبطل الاحساس او تصديقه-

و على أيّة حال فمن المحال لمن أخلد الى الزوايا المادية أن يجد سبيلًا إلى وجدان اللَّه تعالى‏- فانه بالمنظر الأعلى: أن يمطئن العقل بوجوب فحسب- لا الأنى أن ينظر اليه من الزاوية المادية من زوايا الإدراك- قاعدة مطردة في كل مدرَك: أنه لا يُدرك إلّا بما يناسبه من سائل الإدراك.

المادي‏: إننا لا نعقل- و لن نعقل- وجوداً وراء المادة- و لا نعتبر وراءها إلا وراءَ الوجود- كالفور مول التالي:

الموجود/ المادة، و المادة/ الموجود؟

الإلهي‏: هذه دعوى تكرَّرونها ليلَ نهار طول الحوار و تعتبرونها حقيقة أو برهاناً لا مردَّ له- و لكننا نسألكم:

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 37

هل إنَّ كلمة الوجود تعني المادة: لغويّاً؟ أم فلسفياً؟ لا نجد أيّاً منهما في كتابات اللغة و الفلسفة إطلاقاً- فهما هكذا تفسير لكلمة الوجود إلا نتيجة المزاعم المادية و الفلسفية الإلحادية- المنكرة لما وراء المادة- إذا لم تكن هذه إلا دعوى دون برهان- و إنما زادنا الأوَّل و الأخير في هذه المحاورات: البراهين القاطعة التي لا مردَّ لها- دون الدعاوي المتكررة التي لا تملك من مقومات الفلسفات ما يُثبتها-.

فأنتم تدعون: أن ليس الوجود إلا المادة- و نحن ندعي استحالة وجود المادة دون أن يكون هناك إلهٌ وراء المادة- فهو الأصل في حدوث الكون- لولاه لاستحال وجود الكون إطلاقاً و لكان عدماً صرفاً.

محور الحوار بين الالهى و المادي: أن هناك وجوداً

فسوف نبرهن: أن فكرة أصالة المادة و أزليتها- أنها كالفكرة السوفسطائية- سواء- و أن كافة البراهين القاطعه في مختلف الفلسفات قائمة في وجه أزلية المادة المزعومة و مثبتة لحدوثها- فهي تحيل أيَّ كيان مادي- دون أن يكون هناك إله مجردٌ ازلي- كالفور مول التالي:

الوجود الحادث/ الآله الازلي+/ المادة و، العدم/ الاله الازلي- المادة «1»

فإذ لا إله وراء المادة فلا مادة إطلاقاً- رغم أنكم الماديين تعتبرون المادة: كأنها تستوعب كافة مجادلات الكون! دون أن تسمح لسواها بالوجود! ...

أصالة المادة- او- أصالة المجرد عن المادة- أو ...

______________________________

 (1)-/ نعني بهذا الشكل ان المادة المتحللة عن اللَّه عدم و الحادثة باللَّه وجود حادث‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 38

المادي‏: اذاً فبيننا و بينكم حجابٌ ضخمٌ واسعٌ و بونٌ شاسعٌ- ذذ لا نشترك في تصديق اصلٍ مّا نبني عليه حوارنا- فكيف الحوار؟! ..

إن هناك كوناً مّا!** ..

الإلهي‏: ليس الحوار بيننا و بينكم بأبعد مما كان بيننا جميعاً و بين السوفسطائيين الذين ينكرون الأصلين إطلاقاً- إذ لا يصدقون، أن هناك كونا و حقيقة مّا مهما كان مادة أو سواها!

و لكننا مهما اختلفتنا في: «أيٌّ منهما هو الأصل او هو الحقيقة» فننا نشترك في «أن هناك حقيقة مّا» و هذا هو ملتقى طريقنا إلى اللَّه- بداية الحوار- ثم الفرق: نجده في انحصار الوجود و الأصالة في المادة- كما تقولون- او أنه يعمّها و المجرد عن المادة- و أنه الأصيل: كما تقول،

فلو أن الوجود أنحصر في المادة و كانت أزلية تثبت قولكم.

و لو أن المادة كانت حادثة- مهما كانت- ثبت قولنا «فإنا أو ايامكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين».

الحادث و الازلي‏

استحالة التناقض‏

تناقضات التطور

شروط التناقض‏

البرزخ بين الأزلية و الحدوث!

متناقضة الحدوث الذاتي و الأزلية الزمانية!

المادي‏: ما هي خطوات التي تخطونها- في هذا الحوار- من الكون إلى خالقه؟

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 39

الإلهي‏: خطوات جبارة نتمشى بها و نعيش بها و نعيش معها بكافة الطاقات العقلية و العلوم التجربية الحسية. و الفطرية- تضم:

1- أن هناك وجوداً.

2- أن في‏ا لوجود أزليةً مّا.

3- ان المادة حادثة مهما كانت.

... فنستحصل من هذه الخطوات بُغيتنا و نستأصل فكرة أصالة المادة و نصل الى هدفان: أن المادة بحاجة ماسة- فى كينونتها- إلى خالق ازلى مجرد عنها- وراءها!

المادي‏: هذا أول نقضٍ لما بنيتم عليه الحوار: «رفض الإصلاحات المعقَّدة»! فما هي الأزلية؟ و ما هو الحدوث؟! ...

الإلهي‏: نحن على ما بدأنا به- و ما هاتان الكاملتان إلا لغتين تعنيان ما وضع لهما من معنى كسواهما من اللغات‏

معنى الألية و الحدوث:

فالأزلية تعنى اللّا أوّلية للكائن: أنه لا يسبقه عدم إطلاقاً- كلما رجعنا القهقري وجدناه كما هو الآن و نجده إلى غير البداية- فلا اول له و لا آخر- لا زمنياً و لا دهرياً- ذا ذاتياً و لا عرضياً- و لا أيَّة بداية أو نهاية.

و كما سوف تعلمون: أن الأزلية: اللّا اولية- تستلزم الأبدية: اللّا نهائية- دون عكس- إذ أن الأبدية تتصور عرضية غيرية دون الأزلية- و الموجود الأزلي الأبديّ يُسمى:

سرمدياًف و الحدوث يباين الأزلية كلياً- إذ إن الحادث ماله بداية- مهما تطاول عمره.

إذاً فبين الأزلية و الحدوث تباين التناقض- إذ يحيل العقل اجتماعهما في كائن شخص واحد- حيث المدار فيهما دائر بين النفي و الإثبات: نفي الإبتداء و إثباته.

هذا: فهل تريدون أن نتحلّل- حتى و عن استخدام اللغات التي تعني ما نعنيه و نحتاج‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 40

إليه في حوارنا الفلسفي- فإنمانرفض الإصلاحات الجامدة المعقَّدة التي لا تعني عناية علمية نحتاج إليها في بحوثنا حول: هل إن هناك إلها؟. دون أن نرفض كافة الفلسفات و إن كانت متحللة عن الصلاحات المقعّدة.

مشاكل ثلاث: 1- التجرد 2- الأزلية 3- الحدوث‏

المادي‏: إننا- بصفتنا من عالم المادة- لا نجد في متناول إحساسنا إلا المادة- فلتكن هي محور الحوار طوال بحوثنا- و أما «التجرّد- الحدوث- الزلية» فهي معاني- لو تحمل حقائق- فإنها بعيدة عن أفهامنا و مديإدراكنا، إذ ليست بالتي نجدها في العلوم التجريبية و لا في معاهد الفيزياء و الكيمياء من المكبريات المتجهزة بالعدسيات القوية- و لا! ..

الإلهي‏: و إننا الآن- في بداية الحوار- لا نعني البحث عن المجرد وراء المادة- قبل أن نسبر أغوار المادة- فسوف نسبرها فلتحصل منها فكة الإله المجرد- ظاهرةً مبرهنة- و لكي تعلموا: أن المادة هي التي تصرح بصرخات مدوّية: أن هناك الها وراءها- مجرداً عنها.

الأزلية و الحدوث: الأزلي و الحادث:

و لكن المادة هل تستطيع أن تحمل طرفي النقيض- اثباتاً و نفيّاً: أنها أزلية و حادثة- أو: لا أزلية و لا حادثة؟ إذ إن هاتين اللفظتين لا تحملان إلا حقيقتين متناقضتين دائرتين النفي و الاثبات!

مبدأ التناضق:

فهل تسمحون لأحدٍ ان يقول: المادة موجودة و معدومة- لا موجودة و لا معدومة لحالة واحدة؟

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 41

 

شبهات حول التناقض‏

اجتماع و إرتفاع النقيضين ممكن أم محال؟

المادي‏: تقدُّم العلم أوضح لنا الكثير مما كان خفيا و فسح لنا المجال: أن نحكم بامكان البعض مما كان محالًا طوال العصور الغابرة المتاخرة في العلم- و لعله بإمكانه أن يحلّ عُقَد الإستحالة عن كلّ المحالات او جلسِّها و منها اجتماع وارتفاع النقضين.

صحيحٌ أن عقولنا- حتى الآن- تحكم باستحالة النقيضين: اجتماعاً و ارتفاعاً- و تعتبر هذه الإستحالة من أبده القضايا البديهية.

إلا أنه يبقى هنا احتمالٌ ينفصهم به عربى هكذا حكم- و هو لو كانت لنا عقولٌ تختلف عن عقولنا الحالية في جذور الإدراك- أو أن لغيرنا عقولًا كذلك- أو أن العقول كانت أكمل مما هي الآن- فلعلها كانت تحكم بامكان ما تحيله الآن- و بإمكان اجتاع و ارتفاع النقيضين!

فالحقيقة و نفس الأمر لا تختص بنا لكي تختص بيئاتها بأحكامنا- لا سوانا- إنها لكل كائن عاقل! إذاً فأحكامنا الناتجة عن عقولنا الحالية ليست هي الأحكام الحقة الصادقة- لا سواها- حتى ينحصر احق فيها- فأحرى بنا أن نشك في استحالة كافة المحالات، حتى النقيضين: إجتماعاً و إرتفاعاً، بدل أن نحكم حكماً باتاً بالإمتناع!

الإلهي‏: أول ما يرد عليكم: أن العقل يعيش مع الحكم بامتناعالنقيضين اجتماعاً و ارتفاعاً، عيشة جذرية حيوية، و الفروض التي تتنافي و هكذا حكم ليست بالتي تستطيع ان تخل بقاطعيته في نظر العقل.

فلنفرض أن هكذا عقول و عقلاء موجودون، و أن لهم حججاً على دعوى الإمكان رغم ما تحليله الآن، فعقولنا هي التي تزيِّف حججها و أحكامها عندئذً كام تزيفها الآن.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 42

و كما أننا لا نصدقكم، أنتم الماديين، في دعوى أزلية المادة، رغم براهينكم المزعومة، و لا تنفصم بحكمكم و برهانكم! عُرى حكمنا القاطع العقلي باستحالة أزلية المادة، و ضرورة وجود المجرد وراء المادة، الخالق لها.

كما أننا لا نصدقكم و لا نحتمل الصدق في دعواكم هذه، كذلك لن نصدق أو نحتمل الصدق في الحكم بالامكان، من أي حاكم كان و مع أي برهان، إذ نقطع بالامتناع قطعاً ضرورياً لا مرية فيه، و حكماً باتاً لا نحتمل خلافه.

هذا، لو كان لهكذا عقل و هكذا حكمٍ واقعٌ، فكيف بالمفروض وجوده و المحتمل حكمه!

ثانياً: إننا لا نحكم الآن، و ليس لنا أن نحكم، إلا حسب عقولنا الموودة المحققة الآن، لا عقل من سوانا، و لا المفروضة لنا، فإنما الحاكم بتصديق حكم الغير أو غير هذا الحكم أو احتماله، إنما الحاكم هنا و هناك هي عقولنا الحالية، لا سواها، و هي تحيل اجتماع و ارتفاع النقيضين، و تزيِّف كل حكمٍ يتنافي و اياه، فلا تحكم عقولنا، على أية حال، إلا بماترى، لا ما تراه غيرها من عقول، و لا المفروض وجودها.

فاحتمال الامكان في اجتماع و ارتفاع النقيضين، لا تنتجه تلكم الفروض، إذ الحكم به ليس يصدر الآن إلا من عقولنا، و لكنها تحيله و لا تحتمله إطلاقاً!

ثالثاً: لا يخلو امر هذه العقول المفروضة، لنا او لسوانا، مِن: أنها تدرك معنى التناقض فتجوِّزه، أم لا تدركه؟

فإن هي «لا تُدركه- فحكمها بالامكان غلط لا يُصفى إليه- أحكماً دون إدراك:

نصدِّقه أو نحتمل صدقه!؟.

و إن هي تدرك معنى التناقض- كما ندركه- فلتحكم كما نحكم- و إلّا زيّفنا موقفها و كذبناها هي حكمها بالمكان أو احتمال الامكان!

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 43

رابعاً: لا يخلو أمر هذه العقول المفروضة من: أنها كعقولنا في جذور الادراك و أسَسِه أو تُضادها؟

فإن هي كمثلها فلتحكم بالامتناع كما نحكم- و إلا كانت خاطئةَ أو ناقصة غالطة!

و إن هي تضاد عقولنا في جذور الإدراك- إذاً فهي ليست بعقول عندنا- إن سُمِّيت بها! أو أنها عقولٌ علينا أن نضادّها في أحكامنا- قضية التضاد في جذور الإدراك في هذا البين.

خامساً: على فرض مماثلتها مع عقولنا في جذور الإدراك و معدّاته فلا تخلو حالها من ثلاث:

1- هي بمستوى عقولنا- فلتحكم بالامتناع كما نحكم.

2- هي أنقض من عقولنا- فلنرفض أحكامها- و لا سيما المتناقضة لأحكمناف و من أظهرها و أتقنها حكمنا بامتناع النقيضين، لا سيما و أن المجانين و حتى أدنى حشرة لا تحكم و لا تحتمل الإمكان، رغم الأخطاء الكثيرة منهم و منها

3- هي أكمل من عقولنا! و إذاً فكيف تحكم بما فيه هدم كافة أحكامها و عامة العلوم و الإدراكات التصديقية لها، سلبية و إيجابية؟!

إذ أن الحكم في أيّة قضية نظرية أو بديهية، إنما يبتني على هاتين القضيتين الضروريتين: «استحالة اجتماع النقيضين و ارتفاعهما» فإنها من أبدهما و أوضحها، و هما أمّ القضايا البديهية و النظرية.

إذاً فهكذا عقول ليست عقولًا، لا كاملة و لا ناقصة! و لا جنونا! و لا أيّة مرتبة ضئيلة من مراتب الادراك من أيّة حشرة تافهة! إذ لا تنتظم الحياة لأيّ ذي حياة إلّا على ضوء نظام الإدراكات، و هي لا تستقيم و لا تنتظم إلّا على ضوء القاطعية في هاتين القضيتين الضرورتين.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 44

فهل يعتبر سقوط الإدراك و الحكم العقلي: كمالًا عقلياً؟ رغم أنه يتنافى و أصل العقل و حكم العقل!

سادساً: هل ترى أحداً من إخوانك الماديين ينقض حكمه في كافة العلوم التجريبية و العقلية، و يذرها شذر مذر، لا لشي‏ءٍ إلّا: لعلّ هناك عقولًا و أحاسيس تجد خلاف ما نجده الآن، عقلياً و حسياً؟

اذاً فلينقضوا حكمهم باحتمال جواز الإمكان: إذ لعلّهم اخطأوا فيه، و أن هناك من يزيف حكمهم- لا لعله فحسب- بل إن كافة العقلاء: العقلييين و الحسيين، يحكمون بالإمتناع حكماً باتساً- إذاً فأحرى بهم أن ينقضوا إحتمالهم المفروض أيضاً.

تناقضات التطور

المادي‏: إن السلب القائم في وجه الايجاب هما سائدان في المادة و يسعان كافة مجالاتها:

يقول ستالين «إن نقطة الابتداء في الدياكتيك- خلافاً للميتافيزية: هي وجهة النظر القائمة على دن كل اشياء الطبيعية و حوادثها تحوي تناقضات داخلية- لأن لها جميعاً جانباً سلبياً و جانباً ايجابياً- ماضياً و حاضراً- و فيهما جميعاً عناصر تضمحلُّ او تتطور» «1».

و يقول «ما و تسى تونغ»: إنّ قانون التناقض في الأشياء- اي: قانون وحدة الاضدداد هو القانون الاساسي الاهمّ في الديالكتيك المادي».

و يقول «لينين»: «الديالكتيك بمعناه الدقيق هو دراسة التناقض في صميم جوهر

______________________________

 (1)-/ المادية الدياكتيكية و المادية التاريخية ص 12

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 45

الاشياء» «1».

و يقول كيدروف: «نفهم بكلمة المنطق الشكلي المنطق الذي يرتكز فقط على قوانين الفكر الاربعة: الهوية و التناقض و العكس و البرهان- و الذي يقف عند هذا الحد.

أما المنطق الديالكتيكى فنحن نعتبر أنه علم الفكر الذي يرتكز على الطريقة الماركسية الممَّيزة بهذه الخطوط الأساسية الأربعة: الإقرار بالترابط العام- و بحركة التطور- و بقفزات التطور- و بتناقضات التطور» «2».

إذاً فجمع المتناقضين أي النفي و الاثبات يعمّ كافة مجالات الكون- فإمكانية الجمع بينهما سائدة في الكون إطلاقاً.

الإلهي‏: إن بين التناقض المحال و هذا الذي تسمونه تناقضاً- و ليس تناقضاً و لا من المحال بل هو اساس المادة المبتنية على جهتي النفي و الاثبات في حاق ذاتها- إنّ بين هذين التناقضين بوناً شاسعاً- كام بين المحال و الضروري الوجود- فالتناقض السائد في صميم جوهر الأشياء المادية مما لا بد منه في كيانها و جوهر ذاتها- إذ إنّ المادة- مهما كانت- إنها مركبة من شحنتي الموجبة و اسالبة- في أدق أجزائها التي تحمل جوهرية المادة- و هذا ليس تناقضاً و لا محالًا.

و إنما التناقض المحال أن يكون مورد السلب و الإيجاب شيئاً واحداً- فالشحنة السالبة محالٌ أو تحمل الإيجاب بنفس ما تحمل السلب- و كذلك العكس بالنسبة للشحنة الموجبة.

و أخيراً اذا تساءَلنا هؤلاء الذين يتاكدون من التناقض في صميم جوهر الأشياء:

أصيح أن يقال: و كذلك عدم التناقض سائد في صميم جوهر الأشياء- بالمعنى الذي هو

______________________________

 (1)-/ حول التناقض ص 4

 (2)-/ المنطق الشكلي الديالكتيكي ص 9

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 46

سائد فيها؟ فهل إنهم يصدقون الجمع بين هاتين النقيضتين- ام يتأكدون من الناحية الايجابية- و ينكرون الناحية السلبية- كما و يقول ستالين: «إن نقطة الإبتداء في الديالكتيك- خلافاً للميتافيزية- هي وجهة النظر القائمة على أن الأشياء تحوي تناقضات داخلية ...» فإنه يتأكد أولًا من نفي التناقض «خلافاً للميتافيزية» ثم من ايجابه- حسب زعمه: أن الفكرة الميتافيزية تتنافي و هكذا تناقض.

فهؤلاء اعتبروا المقارنة بين شحنتي السليب و الايجاب في أجزاء المادة تناقضاً- رغم أنه من الضروري، ثم قنطروها- زعم تناقضها- لاثبات عدم استحالة التناقض المحال أيضاً! رغم أنّ في التناقض المحال شروطاً تلحق.

واقع التناقض- المزعوم:

المادي‏: اجل و لكنّه ماذا نصنع بما نجد من: مجمع المتناقضين و منفاهما- أحياناً- بل نجدالجمع بينهما في الليل و النهار و هما متباينان متناقضان- نجدهما موجودين لوقت واحد- بل و في كافة الساعات الأرضية- حسب اختلاف الآفاق- نتيجةً لما أوضحه العلم من كروية الأرض و حركاتها الوضعية و الإنتقالية!.

و نفي النقيضين نجده في المعدوم فإنه يفقد وصفي الأزلية و الحدوث كليهما.

إذاً: فما علينا أن نحتمل حمل الكون لكلا الازلية و الحدوث، أو فقده لكليهما؟!

شروط التناقض المستحيل:

الإلهي‏: الليل و النهار في افقين، و الأزلية و الحدوث في المعدوم، إنها ليس متناقضين، إنما التناقض هنا بين الدزلية و الحدوث في موجود واحد: شخصيٍّ او كلي، و هناك بين الليل و النهار في أفق واحد لوقت واحد.

و بيان فصلٍ: إن في تحقق التناقض شروطاً تسعة، كتلها تدور حول وحدة المصداق الذي نحيل فيه النقيضين: اجتماعاً و ارتفاعاً.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 47

الوحدات التسعة في التناقض:

1- وحدة الموضوع 2- المحمول 3- المكان‏

4- الزمان 5- الشرط 6- الإضافة

7- الجزء و الكل 8- القوة و الفعلية 9- الحمل.

فأوّل الشروط أن يكون مجمع النقيضين و منفاهما موضوعاً لأحدهما فحسب، حتى يستحيل قبول النقيض الآخر أو نفيها معاً، و العدم ليس موضوعاً لواحد من وصفي الأزلية و الحدوث حتى يُعتبر جمعهما فيه أو انتفائهما عنه محالًا، إذ إنهما من أوصاف الموجود، فالمعدوم ليس موضوعاً للأزلية: حتى يمتنع عن الحدوث، ولا موضوعاً للحدوث حتى يمتنع عن الأزلية: امتناعَ الجمع نفياً بل يمتنع دن يتصف المعدوم المطلق بشي‏ءٍ من الوصفين لنفس امتناع اجتماع النقيضين، إذ إنّ العدم و الوجود و المعدوم و الموجود متناقضان، فكيف يمكن الجمع بين العدم و بين شي‏ءٍ من أوصاف الوجود، و منها الأزلية و الحدوث! فكما أن العدم و الوجود متناقضان، كذلك أحدهما مع اوصاف الآخر، و اوصاف كلٍّ مع أوصاف الآخر.

فالمعدوم المطلق: لا أزلي و لا حادث: لأنه معدوم، فلا يتصف بشي‏ء من الوصفين فضلًا عنهما معاً فإن فيه تناقضين:

1- تناقض وصفي الموجود للمعدوم 2- تناقض هذين الوصفين اجتماعاً- مهما كان.

و أما الليل و النهار في فرض اختلاف الأفق، فهما يفقدان شرط وحدة المكان و الأفق، و أمّا هما في أفق و زمان واحد فمستحيلان دون ريب.

و الأزلية و الحدوث من أوصاف الكائن، فإنه لا يخلو من أحدهما، فالكائن إمّا أن له بدايةً فهو حادث «لم يكن ثم كان» أو ليست له بداية إطلاقاً: لا زمنيّاً و لا دهريّاً و لا ... فهو ازليٍّ، إذا فبين الأزلية و الحدوث في الكائن بينونة الإيجاب و السلب، و كلّ ما كان أمره‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 48

دائراً بين الايجاب و السلب مع الحفاظ على الوحدات التسعة- استحال جمعهما فيه معاً او نفيهما معاً عن موضوع واحد لا يتحمل إلّا أحدهما.

إذاً فمن المحال اتصاف كائنٍ مّا بكلا الازلية و الحدوث أو خلوّه عن كليهما.

أسألك يا صاحبي! إذا قيل لك: أنت موجود و معدوم لحالة واحدة، أو أنت أنت و غيرك لوقت واحد، فهل تصدّق هكذا حكم؟

المادي‏: كلا، فانه مستحيلٌ.

الإلهي‏: أجل: فالمحال محالٌ أينما حلَّ، و ليست الإستحالة هنا و هناك إلّا في الجمع بين السلب و الإيجاب لموضوع واحد يضمّ كافة الوحدات التسعة.

إذاً فمحالٌ أن يتصف الكون بأجمعه بكلا الوصفين المتناقضين أو يخلو عن كليهما.

فإمّا أزلي كله، أو حادث كلّه، أو أن بعضه أزلي و البعض الآخر حادث صدر منه.

البرزخ بين الازلية و الحدوث!

المادي‏: لعل الكون بين الأزلية و الحدوث، لا يجدهما تماماض و لا يفقدهما تماماً فهو أزلي من جهة و حادث من جهة أُخرى، و الحاجة إلى الخالق ليست إلا للحادث من كافة الجهات.

الحدوث الذاتي و الأزلية الزمانية؟! ...

و لو أن هكذا جمع بين الأزلية و الحدوث كان محالًا و جمعاً بين المتناقضين، فمال جمٍّ غفير من إخوانكم الفلاسفة الإلهيين شكَّلوا برزخاً بينهما في أصلهم الفلسفي‏ك «الكون أزلي الزمان و حادث الذات»؟!

فإنهم اعتبروا الكون: أنّه أزليٌ من حيث الزمان: أنّه كان و كان دون ابتداء، فلا يقال له:

لم يكن ثم كان!

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 49

و أنّه حادث من حيث الكينونة و الذات، أي: انه لا يملك ذاته بذاته، بل هو متعلق الذات باللَّه و هذا معنى إمكانه الفقريّ!

فتلك إذا قسمة ضينرى: أن يُعتبر برزخهم ممكناً و حقيقةً ثابتة في الفلسفة الالهية، و برزخناً باطلًا متناقضاً و خرافة إلحادية!

متناقضة الأزلية الزمانية و الحدوث الذاتي:

الإلهي‏: اننا لسنا ممن يرضى بهذه القسمة الضيزى، إذ ننظر إلى برزخهم من زاويتين:

أن الكون متعلق الذات و فقيرها الى اللَّه تعالى‏ إذعاناً أنه إله الكون، و هذا كما نعتنقه نحن الإلهيين الحقيقيين.

2- ان الكون ازليّ الزمان، و نحن نرفضه و نزيّفه رفض الجمع بين المتناقضين:

فإن حاجة الكائن ان المكوِّن الأزلي، ليست إلّا لإمكانه و حدوثه: أنه سبقه العدم ثم ود، فضرورة حاجة الحادث إلى المحدث تضطرُّنا إلى الإذعان بموجود أزليّ أوجده.

و أما الكائن الذي لم يسبقه العدم إطلاقاً، بل كان و كان كما أ «اللَّه كان، فهذا الكائن مع اللَّه اذاً في الأزلية سيّان- فلا فقر و لا تعلق ذاتياً و لا عرضياً له باللَّه!

فكما أن اللَّه ليس يحتاج إلى من احدثه- إذ إنه ليس حادثاً بعد العدم، كذلك الكون:

المفروض أزليته الزمانية، ليس بحاجة إلى الخالق، حيث الذات، على الفرض، غنيّة في الكينونة عما يكوِّنها!

فالأزلية اللّا أولية هي الغنى المطلق، دون ان تتصور فيها الحاجة إلى سواها، إطلاقاً.

كما و أن الحدوث هو الفقر إطلاقاً، دون أخن يتصور فيه الغنى.

ففرض الأزلية الزمانية في الكون يجعله غنيَّ الذات عن سواه، فأين الحاجة و فقر الذات إلى سواه؟! ..

إذاً فالجمع بين أزلية الكون: الزمانية أو غيرها، و بين تعلقه الذات باللَّه، هذا جمعٌ بين‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 50

الغنى الناتج عن الأزلية و الفقر الناتج عن الحدوث، فهو إذاً جمعٌ بين المتباينين المتانقضين: الازلية و الحدوث!

و قيد الأزلية بالزمانية لا يخرجها عن الأزلية و الغنى المطلقة، بل إنه تناقض على تناقض:

1- متناقضة الأزلية و الزمان، إذ إن الزمان محدود حيثما كان، و الأزلية هي اللا محدودية.

2- متناقضة الأزلية و الحدوث!!

إذاً فليست قسمتنا قسمةً ضيزى، إذ إننا نحيل الجمع بين الأزلية و الحدوث، مهما كان القائل به فيلسوفاً! إلهياً! اأم مادياً ملحداً، لان القاعدة العقلية لا يُستثنى عنها و محالٌ أن يُستثنى، ولا سيما «استحالة اجتماع و ارتفاع النقيضين»!

فالنقيضان لا برزخ بينهما إطلاقاً، إذ هما دائران بين السلب و الإيجاب و ليست بينهما منزلة لكي تكون برزخاً بينهما.

و صحيحٌ أن يقال: إن برزخكم هذا لا يحمل أيَّ معنى إلا الجمع بين النقيضين: الأزلية و الحدوث، و إنما الإختلاف في التسمية ليس إلّا! كأن يُسمَّيالنقيضان متماثلين بغيةَ الحكم بإمكان إجتماعهما!

و كما أنه هراءٌ أن يقال: الكون حادث ازمنيَّ و أزليُّ الذات، كذلك القول: أنه يجمع بين الأزلية و الحدوث بكافة مجالاته، فأنتم أو أيُّ مفكر في بيئة الكون: الفلسفية، لا مناص لكم عن تصديق واحد من الفروض التالية:

1- ان الكون كله حادث: لم يكن ثم وُجِد؟!

2- ان الكون كله أزلي: لا اوَّل له؟!

3- ان الكون بعضه حادث و بعضه ازلي احدثه.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 51

فهذا الاخير ما نرومه نحن طوال حوارنا، فماذا تفكرون؟

شكوك حول حوث العالم‏

و الاجابة عنها

من الفلسفة العقلية و الطبيعية.

كافة العلوم التجريبية تحيل ازلية المادة.

المناقضة سائدة بين الأزلية و الحدوث و لا برزخ بينهما.

شبهة اللا نهاية العددية و الإجابة عنها.

نظرية الوجود، مَن خلق اللَّه؟!

كيف الحدوث؟ قانون لا وازية:

المادي‏: إننا قد نحيل الحدوث و نعتبره وهماً تافهاً لا يملك أيَّ مقوم من مقومات الفلسفة التجريبية! و القانون العلمي ل «لافوازيةHEIZAWAL  يوكِّد:

 «أن المادة لا تحدث من عدم كما أنها لا تنعدم»

إذاً فلا سبيل إلا إلى الإذعان بأزلية الكون إطلاقاً، دون أن نحتمل الحدوث، إذ نحيله! و إذ ذاك فلا حاجة إلى إله يخلق الكون، إذ ليس مخلوقاً حتى نفكر في «من خلقه»؟

لا خالق و لا مخلوق! ..

فلقد كان لكم أن تبرهنوا بالمخلوق على وجود الخالق و بالمنفطر على وجود الفاطر:

إذا كان الكون حادثاً و لكنه- على فرض الأزلية- لا خالقٌ و لا مخلوقٌ، إذاً ففي اللَّه شك! بل نعلم أنه ليس موجوداً: حيث الكون الأزلي ليس بحاجة إلى الخالق، و كما أنّ الخالق- مهما كان- هو لا يحتاج إلى خالق، لازليته.

العلم و العلماء مع حدوث المادة و استحالة ازليتها!

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 52

الإلهي‏: العلوم التجريبية و التحليلات العقلية المبتنية على العلوم تحيل أزلية المادة، و قانون لا فوازية لا يَمتُّ بصلة بالبيئة الفلسفية للكون: أزليةً و حدوثاً، و على فرضه فحوارنا لا يدور مدار ما قبل أو يقال دون برهان، فإنما نحن أبناء الدليل، نقتفي أثره حيث يقودنا.

و إذ أنتم تحيلون حدوث الكون حسب قانون لا فوازية، دون أن تحيلوا أزليته حسب العلوم التجريبية و التحليلات القاطعة العقلية، فلا بد لكم من برهان قاطع لا مردَّ له: أن قانون لا فوازية يقصد الجهة الفلسفية في: «أن المادة لا تفنى ولا تستحدث» ثم أن تبرهنوا علمياً أو عقلياً على إستحالة حدوث المادة أو الكونف أو على إمكان ازليته، حال أنكم ما أتيتم بشي‏ءٍ طوال كلامك إلا دعوى الإستحالة إستناداً ذلى قانون لا فوازية، دون أيِّ برهان يملك أيَّ مقوِّم من مقومات الفلسفات او العلوم الأخرى! اذاً فنزيف دعواكم كالتالي:

اولًا: «أن المادة لا تستحدث» لا يعني لاوازية بهذا القانون الا البينة لفيزيائة في تحولات المادة، لا الفلسفية التي تعني حدوثها أو أزليتها، إذ إنَّ لافوازية عالم فيزيائي، لا يبحث- و ليس له أن يبحث- عن الادة: إلا من الزاوية الفيزيائية لا الفلسفية، فهو يعني بقانونه: أن تلكم التقلبات و التغييرات الما هويّة في المادة لا تحكم على ذات المادة بالحدوث بعد الزوال و لا الزوال بعد الحدوث، و إنما الحدث في كل حادثة و تقلُّب ماديٍّ هو الصورة الطارئَة على المادة، و المادة في أصل ذاتها متحفظة بماهيتها المادية، دون الصور الطارئَة.

فإذ حدث مولكول: «جُزَيى‏ءٌ» من الماء من التركيب:O  2H ، فهنا لم ينعدم الذرتان‏H  وO  ثم يحدث مولكول الماء، فإن «المادة لا تفنى و لا تُستحدث» و إنما الفاني و الحادث هنا و هناك: الصور الطارئة على المادة حسب التقلبات الكيميائية و الفيريائية فحسب، و

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 53

بصيغة أُخرى: إن العنصر المادي يتحول إلى أخرى و ينقلب من تركيب إلى آخر، و تتغير بذلك خواصهما العنصرية و صورها الظاهرة، إلا أنه لا يفقد خواصه الذَّرية الأولى في حال من الأحوالف و لا ينقلب من الوجود إلى العدم ثم من هذا العدم إلى الوجود: عوداً للمعدوم إلى الوجود، هذا رغم اولئك الذين كانوا يزعمون و يفكرون في فناء المادة عبر التفاعلات الكيمياوية و حدوثها بعد الفناءكذلك.

فالبرغم منهم يقول لا فوازية «إن المادة لا تحدث من عدم كما أنها لا تنعدم» «1»

ثانياً: لو أن لا فوازية يعني الجهة الفلسفية في قانونه، إذاً فهو ممن يدعي أزلية المادة، فنطالبه بالدليل كمن سواه ممن ينحو منحاه دون ان نقتفي أثره على العمياء، فنصدقه فنُحيل حدوث المادة، لا لشي‏ء إلا لان لا فوازية يقوله! ...

ثالثاً: أن العلم يحيل أزلية المادة، رغم أولئك الذين يزعمونها أزلية، دون أن يبرهنوا لدعواهم بأي برهان!

______________________________

 (1)-/ كان العلماء قبل (لا فوازية) يعتقدون في: ان التفاعلات الكيمياوية تؤدي الى انعدام او حدوث بعض الاجزاء المادية، فالحم عندما يحترق ينعدم جزء من المادة و كذلك الحديد أو الزئيق عندما يتأ: د تحدث مادة جديدة فاثبت لا فوازية لاول مرة: ان التفاعلات الكيمياوية لا تحدث المادة و لا تعدمها، فقد حلل اكسيد الزنبق الى عنصرين: الزئبق و الاوكسجين و قدر كلًا منهما فراى ان وزن المجموع يساوي و وزن الاوكسيد قبل الانحلال‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 54

 

العلوم التجريبية تحيل ازلية المادة

عام الكيمياء يحيل أزلية المادة:

جورج كليفلاند كوثران‏ «1»NARHTOC DNALELC NHOJ

 «... و تدلنا الكيمياء على أن بعض المواد في سبيل الزوال أو الفناء و لكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة و الآخر بسرعة ضئيلة، و على ذلك فإن المادة ليست أبدية، و معنى ذلك أيضاً أنها ليست أزلية، إذ إن لها بداية «2».

و تدل الشواهد من الكيمياء و غيرها من العلوم: على أن بداية المادة لم تكن بطئية أو تدريجية، بل وجدت بصورة فجائية، و تستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه هذه المواد.

و على ذلك، فإن هذا العالم المادي لا بد أن يكون مخلوقاً، و هو منذ أن خلق يخضع لقوانين و سنن كونية محدَّدة، ليس لعنصر المصادفة بينها مكان!

فإذا كان هذا العالم المادي عاجزاً عن أن يخلق نفسه‏ «3» أ يحدد القوانين التي يخضع لها، فلا بدّ أن يكون الخلق قد تم بقدرة كائن غير مادي ...»

______________________________

 (1)-/ دكتوراه من جامعة كورنل، رئيس قسم العلوم الطبيعة بجامعة دولت، اخصائي في تحضير الترازول و في تنفيه التنجستين‏

 (2)-/ و لان كل ما له نهاية فله بداية لا محالة حيث النهاية علامة المحدودية و الازلي اللابدائي لا حد له‏

 (3)-/ بل ان ذلك محال يستدعي تقد الشي‏ء على نفسه، لو اريد خلق الذات، الا ان يراد منه خلق التطورات: ان المادة الاصيلة هي الخالقة لتطوراها، و هذا ايضاً خارج عن طوق المادة بنفسها!

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 55

 

علم الفيزياء يحيل ازلية المادة

ادوارد لوثر كيسيل‏ «1»LESSEK REHTUL DRAAWDE

 «يرى البعض أن الإعتقاد في أزلية هذا الكون ليس أصعب من الإعتقاد في وجود إله أزلي. و لكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية «2» يثبت خطأ هذا الرأي.

فالعلوم تثبت بكل وضوح: أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليّاً، فهناك إنتقالُ حراريَّ مستمر من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة، و لا يمكن أو يحدث العكس بقوة ذاتية بحيث تعود الحرارة فترتدَّ من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة.

و معني ذلك: أن الكون يتَّجه إلى درجة تتساوى فيهاحرارة جميع الأجسام، و ينضب فيها معين الطاقة، و يومئذ لن تكون هناك عمليات كيموية أو طبيعية، و لن يكون هناك أثر للحياة نفسها في هذا الكون.

و لما كانت الحياة- و لا تزال- قائمة «3» و لا تزال العمليات الكيموية و الطبيعية تسير في طريقها. فاننا نستطيع أو نستنتج: ان هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليَّا و إلا لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد، و توقف كل نشاط في الوجود.

و هكذا توصلت العلوم- دون قصد- إلى: أن لهذا الكون بداية، و هي بذلك تثبت وجود اللَّه، لأن ماله بداية لا يمكن أن يكون قد بدء نفسه، و لابد من مُبدي‏ءٍ أو محرّك أوّل أو من خالق هو الإ له (أم خلقوا من غير شي‏ءٍ أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات و

______________________________

 (1)-/ دكتوراه من جامعة كاليفورنيا، و قد سبق الكلام عن مراتبه العلمية

 (2)-/ المعبر عنه بقانون «ترموديناميك»:SCIMAN VDOMRET  اي: الحرارة و الحركة و قد يسمي بقانون: انتروبى، و هذا القانون اكتشفته «بولتزمن»NNAMZTLOB

 (3)-/ لا يعني بذلك ازلية الحياة بل طول بقائلها

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 56

الأرض بل لا يوقنون) «1».

و لا يقتصر ما قدمته العلوم على إثبات: أن لهذا الكون بداية، فقد اثبت فوق ذلك: أنّه بدءدفعة واحدة منذ خمسة بلائين سنة «2» و الواقع: ان الكون لا يزال في عملية إنتشار مستمر تبدأ من مركز نشأته، و اليوم لابد لمن يؤمنون بنتائج العلوم أن يؤمنوا بفكرة الخلق أيضاً، و هي فكرة تستشرف على سنن الطبيعية، لأن هذه السنن إنما هي ثمرة الخلق.

و لابد لهم أن يسلِّموا بفكرة الخالق الذي وضع قوانين هذا الكون، لأن هذه القوانين ذاتها مخلوقة، و ليس من المعقول أن يكون هناك خلق دون خالق: هو اللَّه!.

و ما أن أوجد اللَّه مادة هذا الكون و القوانين التي تخضع لها، حتى سخَّرها جميعاً لاستمرار عملية الخلق عن طريق التطور».

فرانك ألن‏ «3»NELA KNARF

 «إذ نحن و الماديون نشترك في الإذعان بأزليه مّا في الكون، فإمّا أن ننسب الأزلية إلى عالم ميت و إما أن ننسبها الى إله حيِّ يخلق، و ليس هنالك صعوبة فكرية في الأخذ بأحد هين الاحتمالين أكثر مما في الآخر.

و لكن قوانين الديناميكا الحرارية» تدل على أن مكوَّنات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجيّاً، و أنها سائرة حتما إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة

______________________________

 (1)-/ بين القوسين استشهاد المؤلف بآية قرانية تناسب الكلام الأخير للمنقول عنه‏

 (2)-/ هذا التقدير لو كان بالنسبة لخلق اصل المادة فهو مما لا سبيل اليه و ان كان بالنسبة لخلق اطوار المادة واشكالها فكذلك ايضا و ان كان هنا مجال للتقريب احياناً

 (3)-/ ماجستر و دكتوراه من جامعة كورنل، استاذ الطبيعية الحيوية بجامعة مانيتوبا بك من سنة 1904 الى سنة 1944 م اخصائي في ابصار الألوان و البصريات الفيسيولوجية و انتاج الهواء السائل، و حائز على وسام توري الذهي للجمعية الملكية بكندا

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 57

بالغة الإنخفاض: هى الصغفر المطلق‏ «1» و يومئذ تنعدم الطاقة، و تستحيل الحياة «2» و لا مناص من حدوث هذه الحالة من إنعدام الطاقات عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق بمضي الوقت.

أما الشمس المحرقة و النجوم المتوهِّجة و الأرض الغنية بأنواع الحياة، فكلها دليل واضح: على أن أصل الكون أساسه يرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة فهو إذاً حدثٌ من الأحداث، و معني ذلك: أنه لابد لأصل الكون من خالق أزلي ليس له بداية- عليم محيط بكل شي‏ءٍ- قويٌّ ليس لقدرته حدود، و لابد أن يكون هذا الكون من صنعه.

رسل تشالز آرتست‏ «3»SITRA SELRAHC LLESSUR

 «لقد وضعت نظريات عديدة، لكي نفسير لنا: كيف نشأت الحياة من عالم الجمادات؟.

فذهب بعض الباحثين الى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين أو من الفيروس أو من تجمُّع بعض الجزئيات البروتينية الكبيرة.

و قد خُيّل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدّت الفجوة التى تفصل بين عالم الأحياء و عالم الجمادات، و لكن الواقع الذي أن نسلِّم به: هو أن جميع الجهود التى بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية قد باءت بخذلان و فشل ذريعين»

بيترو استونر «4»RENOTS .WRETEP

______________________________

 (1) الصفر المطلق لا يعني الصفرالمشهور، بل هو الصفر الذي يفقد كافة درجات الحرارة و الحركة الجزئية (المولكولية) و الذرية (الاتومية) و ما اليهام، وفي هذه المرحله تنعدم المادة إطلاقاً فانها تلازم الحكرمة كينونة فمن هذه الجهة قوانين الديناميكا الحرارية تحكم بفناء المادة ذاتية إلا ان تستمد مما ورائها: من الازلى المجرد اللانهائي‏

 (2)-/ يعني الحياة المادية و هي وجود المادة

 (3)-/ دكتوراه من جامعة منيسوتا و قد سبق تعريفه‏

 (4)-/ الحاصل على درجة..، دكتوراه في الفلسفة من جامعة كاليفرنيا

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 58

 «إنني قبل الشروع في تدريس سفر التكوين، كنت أعتقد: أن المادة أزلية أبدية، و إن كنا نستطيع أن نغير شكل المادة، إلا أن الحالة لثانية ايضا مادة و هكذا كانت عقيدة الكثير من العلماء.

فما أن اكتشفت الطاقة الذرية، تبينّ: أن المادة يمكن أن تبدّل إلى الطاقة و الطاقة إلى المادة.

لذلك أصبحت فرضية الخلقة و حدوث العالم من الضروريات الواضحة العلمية، نجد كثيراً من الأشياء، حاسب العلم مر تكوُّنها و حدوثها: كالأرض، و الأحجار الشهابية، و القمر و الشمس و .. عمر العالم بأجمعه، و على التقريب نجد عمر الكون زهاء ستة بلائين عاماً».

علم النجوم يحيل ازلة المادة

ايرفنج و ليام نوبلوتشي‏ «1»HCOLBON KMALLIW GNIVRI

المادية وحدها لا تكفى ..

 «علم الفلك يشير إلى أن لهذا الكون بداية قديمة، و أن الكون يسير إلى نهاية محتومة و ليس مما يتفق مع العلم: أن نعتقد أن هذا الكون أزلي ليس له بداية، أو أبدي ليس له نهاية، فالكون قائم على أساس التغيّر، و في هذا الرأي يلتقي العلم بالدين».

دونالد روبرت كار «2»RRAC TREBOR DLANOD

______________________________

 (1)-/ استاذ العلوم الطبيعية، حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة ايورا، اخصائي الحياة البرية في الولايات المتحدة، استاذ العلوم الطبيعية في جامعة ميشيجان منذ سنة 1945، اخضائي في وراثة النباتات و دراسة شكلها الظاهري‏

 (2)-/ استاذ الكيميا الجيولوجية، حاصل على الدكتوراه من جامعة كولومبيا، مساعد بحوث بجامعة كولومبيا- استاذ مساعد بكلية شلتون، اخصائي في تقدير الاعمار الجولوجية باستخدام الاشتعاثات الطبيعية

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 59

 «يُستخدم في الوقت الحاضر عددٌ من الطرق المختلفة لتقدير عمر الأرض بدرجات متفاوته من الدقة، و لكن نتائج هذه الطرق متقاربة إلى حدّ كبير، و هي تشير إلى: أن الكون قد نشأ منذ نحو خمسة بلائين، و على ذلك فإن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليّاً، و لو كان كذلك لما بقيت فيه أي عناصر إشعاعية، و يتفق هذا الرأي مع القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية»

هذا شطرُ من شهادات العلم و العلماء على استحالة أزلية المادة، رغمَ ما تدّعون دون أي برهان، من استحالة حدوثها، فما لكم كيف تحكمون!؟

أحادث بلد خالق؟

المادي‏: فلنفرض أن الكون كله حادث، و لكن على الفرض فليكن إلهكم أيضاً حادثاً مخلوقاً، لو أنه من الكون! و إلا- كما ندعيه- فليس كائنا حتى يُبحث عنه، إذاً فلا يفيدكم فرض حدوث الكون إلا حدوث الإله، أو عدمه إطلاقاً!

الإلهي‏: و هذا أيضاً محالٌ- كأزلية المادة-: أن يكون الكون كله حادثاً دون أن يوجد من أحدثه! «ام خُلقوا من غير شي‏ء أم هم الخالقون، أم خلقوا السماوات و الارض لا يوقنون؟» 52: 35

أجل، إن الحدوث بهذا الشمول الذي لا يُبقي ازلية ما في الكون، هكذا حدوثٍ يحكم باستحالة الكون إطلاقاً، إذ الحادث، مهما كان، إنَّه بحاجة ماسّة إلى محدث ازليّ، و ذ لا محدث فلا حادث و لن يكون، و هذا يربو على الغلطة السوفسطائية: أنها تحيل الكون إطلاقاً، و هي ما كانت تحيل الحقيقة، بل تنكرها بسند عدم وجدان الحقيقة بنفس ذاتها.

إذاً: فالكون الحادث بين محالٍ- و محتاج إلى كائن ازليّ أحدثه- أو أنه أحدث نفسه- أو الصدفة العشوائية هي التى أحدثته.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 60

أزليُّ و حادث!

المادي‏: إننا لا نجد لهذه السلة الكونية بداية- فالكون برزخ بين الأزلية و الحدوث لا بالمعني الذي سلف، لكى يورد عليه بلزوم اجتماع المباينين المتناقضين.

بل: إنه أزليُّ من حيث بداية السلة، إذ لا بداية لسلسلة الكائنات، و حادث من حيث الأفراد.

فسلسلة العلل و المعاليل الكونية أزليةٌ أبدية، كلمَّا، رجعنا القهقهرى، الى سابق و سابقه ... نجد كائنا أحدثه كائنٌ قبله- و إلى ما لا بداية له- لا أوّليةٍ حقيقيةٍ من حيث المجموع، دون أن نجد في هذه السلسلة كائناً مّا: أزليّاً لا أول له شخصياً، حتى تربط به سلسلة الكون، لا سواه.

فرغم ضرورة الحاجة الماسَّة في كل حادث إلى محدثٍ مّا، لا يحتاج الكون إلى كائن شخصي أزلي، يُعلّل و يُبتدء منه، ذ إن اللّابداية في سلسلة الكون- رغم حدوثها- تحكم بعدم الحاجة ما ورائه: من إله أزليُ، فإنه أزليٌ من حيث المجموع، رغم حدوثه من حيث الأفراد.

لا برزخ بين الازلية و الحدوث:

الإلهي‏: كما فصلناه: إن تقسيم الموجود إلى الأزلي و الحادث، ليس إلا بين السلب و الايجاب في الموجود، و هذا حصرُّ عقليُّ شامل لكافة مجالات الكون- دون أن يوجد بينهام إلا العدم-

فالمعدوم- لا أزلي و لا حادث- ضرورة خلوَّه عن وصفي الوجود، لأنه عدم الوجود- فليس فرض الحالة البرزخية بين الأزلية و الحدوث للكون، إلا قضاء على وجوده و التزاماً بعدمه، حتى يتحمل البرزخ السلبي «لا أزلي و لا حادث»

و أما البرزخ الايجابي في الكون- بين الوصفين- فليس إلا الجمع بينهما في الكون،

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 61

أزليُّ تماماً و حادث تماماً، و هو من اجتماع النقيضين.

إذاً فبرزخكم المزعوم، بين ما يُنتج عدم الكون-: في الناحية السلبية، أو إستحالة وجوده-: في الناحية الايجابية: فالكون في برزخكم بين معدوم و مستحيل الوجود!

المادي‏: أقول: إن الأفراد حادثة و المجموع من حيث المجموع أزلي- و كلاهما هما الكون- لا أن كائناً واحداً نفرضه أزلياً حا لكونه حادثاً، بل إنه أزليًّ من ناحية: «الجمع» و حادثه من حيث: «الأفراد».

المناقضة بين حدوث الافراد و أزلية المجموع:

الإلهي‏: هذا مستحيلٌ دونريب! فإن فرض الحدوث و المحدودية في كافة الأفراد- فرداً فرداً- مع فرض الازلية و اللّا محدودية في المجموع، هذا ليس إلا جمعاً بين النقيضين لمايلي:

أولا: إن مجموع السلسلة ليس- حسب الفرض- إلا الافراد باعتبار الجمع، فهناك حقيقة خارجية هي الأفراد، و اعتبارٌ نعتبره هو الجمع بينها في الوجود، فالمجموع ليس إلا مجموع الأفراد، لا يزيد عليها و لا ينقص عنها، إذ ليس إلا اياها، اللهم إلا في الإسم و في الاعتبار- الذين لا واقع لهما خارجياً، إلا نفس الافراد متتابعة الوجود، من علل و معاليل.

ثانياً: إنّ بين الأزلية و الحدوث- و اللامحدودية و المحدودية- إن بينهما تناقضاً بيِّناً اذاً فكيف يُحكم بالأزلية اللامحدودية للمجموع- و بالحدوث و المحدودة للأفراد؟

أجمعاً بين النقيضين في الكون أجمع!.

فمجموعة الكون بأفراده المتتابعة، لا تتحمل إلا واحداً من النقيضين: «الأزلية اللامحدودية» أو «الحدوث و المحدودية» اعتباراً بضرورة العينية و الوحدة الذاتية الخارجية بين السلسلة المجموعية و أفرادها، و لفظية الإختلاف بين العنوانين و اعباريته.

و إذا فسّشنا عن سبب التناقض هنا، وجدناه في فرض الأزلية اللانهائية في المجمو،

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 62

كما تدّعون! لا في فرض حدوث الأفراد، إذ نشترك في هذا و نختلف في ذاك:

نشترك في حدوث الكون بأفراده- حسب الفرض- و نختلف في أزلية السلسلة المجموعية، و إنما التناقض لا نستلَّمه كلانا، فرضُ الازلية في السلسلة، زعم أن السلسلة تختلف عن أفرادها!

و لو أن المجموع كان غير الأفراد كالمتباينين، لم يكن فرض الجمع بين الازلية و الحدوث- هنا و هناك- أيضاً برزخاً بينهما، بل جمعاً بينهما في متباينين!

فأول ما يرد عليكم هنا محظور اجتماع النيضين و ليس إلا من فرض الأزلية اللانهائية!.

ثالثاً: لا تخلو حال هذه السلسلة المجموعية التسلسلة من أمرين:

1- أن يوجد فيها فردٌ أزلي لا بداية له شخصياً- فهو الخالق لسائر الأفراد الحادثة على الفرض.

2- ألا يوجد أيُّ فرد أزليّ فيها، بل الكل حادث على الفرض، و العقل يحيل الحدوث دون علة مّا.

إذاً ففرضِ حدوث الكون تماماً، و إن كان في سلسلة لا بدائية رغم استحالتها، هذا يحيل وجود الكون على فرض عدم الازلية فيه إطلاقاً، ضرورة استحالة المعلول دون أية علة محدثة، فيصبح إنكار أزلية مّا في الكلون أوضح فساداً من الغلطة السوفسطائية المنكرة لكل حقيقة، فإنها ما كانت تحيل الحقيقة و إنا كانت تنكرها، و منكر الخالق الازلي في‏ا لكون يُحيل الكون احالة تامة تنيجة فرض عدم علة للحادثات الكونية.

ففرض حدوث مّا في الكون يُفرض أزلية مّا كذلك بجنبه، فرضاً لزاماً لا محيد عنه!

إذا فلا مناص من اتصال هذه السلسلة- المزعومة- إلى نقطة رئيسية في البداية و هو اللَّه تعالى‏ شأنه:

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 63

 «يايُّهَا النّاسُ انتُمُ الفُقَراءُ الَى اللَّهِ واللَّهُ هُوَ الغَنِىُّ الحَميد» 35: 15.

هذه الآية القرآنية توحي حكماً عقلياً و فطرياً و ضرورياً: أن الكائن الحادث الفقير الذات- مهما بلغ من الكثرة- لا يستغني عن خالق غني يُحدثه، إذ لا تزيد كثرة الفقراء إلا فقراً على فقر.

و فرض اللابداية و اللانهاية في الفقراء لا يغنيهم عن حاجتهم الذاتية إلى غني لا يفتقر.

فلو أن كثرة الحادثات الكونية تثمر الغني و الازلية! اذاً لكان للفقراء ان يكوّنوا بنكاً عظيماً يغنيهم عن التكدّي.

و كان لنا أن نحصَّل الملائين من جمع الملائين اللّانقد، أو فرض اللانهاية منه!

و كان لنا تشكيل عدد ضخم من الجمع بين الملائين صفراً أو اللانهاية منه!

فملائين اللا شي‏ء أو اللانهاية منه لا تعني الّادمج اللاشي‏ء في مثله، و كذلك اللانهاية في السلسلة الحادثة من الكون لا تعني إلا الحدوث و الفقر، و هما بضرورة و حاجة ماسة إلى محدث غني، و إلا لاستحال الحدوث و استحال الكون المفروض حدوثه تماماً.

فالنتيجة الأخيرة من فرض حدوث الكون بكافة أفراده و بيئآته: أن مجموعة السلسلة الكونية حادثة فقيرة إلى سواها- و اللابداية المزعومة لا جعلها أزلية- إذ المجموع عين الأفراد دون أن يربوا عليها، إذاً فالفقر و الحاجه إلى سواءها ذاتها و كيانها، لا تستطيع التحلُّل عنه في الحدوث، و في البقاء بعد الحدوث: «يا أيها الناس انتم الفبراء الى اللَّه و اللَّه هو الغني الحميد»! ..

فأين الحادث بلا خالق؟ و أين الأزليُّ الحادث؟

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 64

 

شبهة اللانهاية العددية؟!

المادي‏: الواقع الخارجي يصدِّقنا في إمكانية الجمع بين محدودية الافراد و اللّامحدودية في المجموع بمعنى اللابداية و اللانهاية، و فرض اللابداية في السلسلة المجموعية، يُغني السلة عن أي كائن سواها، في إحداثها، و كمثل على هكذا جمع:

اللانهاية العددية:

فإننا لا نجد عدداً مهما كان، أن يقف عند حدٍّ مّا، فكل عدد يتحمل الزيادة دون حدّ، و كذا النقيصة، و الكانت كسرية، دون حد، اذاً فالعدد برزخ بين النهاية واللانهاية، نهاية و حدٍّ في أشخاص الاعداد، و اللانهاية في تحمُّل الزيادة و النقيصة.

الإلهي‏: إن الواقع الخارجي، على فرضه، ليس مما يتنافى مع الحكم الضروري العقلي و قد حققنا استحالة الجمع بين النقيضين مهما كان، فإنما الخطأ هنا في تشخيص الواقع الخارجي، و كما زعمتم: ان الجمع بين الليل و النهار في أفقين جمع بين النقيضين!

و هنا نستأصل جذور المشكلة في اللانهاية العددية المزعومة، كالتالي.

اولًا: على فرض اللامحدودية في قبول الزيادة في كل عدد، فالمحدود هو كل عدد بالفعل، و اللامحدودية هو العدد شاناً في تصور العقل، و من شروط التناقض الوحدة في الفعلية و الشأنية.

و لكن النهاية و اللانهاية، و الحدوث و اللاحدوث: في مفروض البحث ليس إلا في الكون باجمعه بالفعل، و ليست الجمعية و الانفراد في أفراد الكون إلا اعتبارين تصورين لا يعنيان إلا الكون كله.

ثانياً: إننا نبحث عن الكون بأجزائه و هي محدودة: جمعيةً و فرادي، بما فيه من علل و معاليل حسب الواقع الخارجي، و ليست مسألة الأزليه و الحدوث و اللامحدودة و

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 65

المحدودية: فرضية عقلية لا تعدو فرض العقل، حتى يتقاس باللانهاية العددية الفرضية التي ليس لها واقع فعليّ خارجيّ، فلا يوخذ هذا القياس بعين الإعتبار و إن اذعنّا باللانهاية العددية.

ثالثاً: إن اللانهاية قسمان:

1- فرضية عقلية لا فعلية لها، كما في العدد.

2- فعلية واقعية كما في سلسلة الكون: علة و معلولًا.

فالثاني مستحيل لاصطدامه بالواقع الخارجي و الضرورة العقلية: الحاكمين بامتناع اجتماع النقيضين.

و الأول على فرض إمكانه، لا يعد و الفرض و التقدير، فلن تجد عدداً شخصياً لا نهاية له بالفعل، مع الحفاظ على حده الفعلي، و إنما للعقل أن يفرض له مضاعفات كثيرة دون أن تقف لحد، لا أن يدرك و يُحصي اللانهاية في شخص هذا العدد أو أيِّ عدد بالفعل، بل إنما يسمح بالزيادة لأي عدد، دون أن يقف عند حد في تصور العقل.

لذلك ترى أن المعدودات، و هي أجزاء الكون، متناهية، لانها واقعيات خارجية موجودة بالفعل و محدودة، رغم اللانهاية- و لا حدَّ ثانياً في تصور العقل لتضاعف الأعداد، و الفارق إنما هو الفعلية هناك والشأنية هنا.

فاللانهاية في العدد لا تعني: أنِّ هناك عدداً غير متناه، أو ان سلسلة الأعداد غير متناهية- و إنما تعني: أننا لا نجد عدداً مّا لا يقبل الزيادة عليه، فكل عدد مهما بلغ من الكثرة يتحمل الزيادة و إلى غير النهاية، مغ غضِّ النظر عن المعدود الخارجي، إذ الخارج إنما هو ظرف المعدودات المحدودة بالذات.

و أما العقل، فهو أيضاً لا يحيط تصوراً بعدد معقول غير متناه بالفعل، و لا سلسلة من الأعداد غير المتناهية، إذ المحدود لا يستطيع الإحاطة باللامحدود، و العقول محدودة

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 66

مهما كانت قوية.

و هذا يختلف عن السلسلة غير المتناهية في الواقع الخارجي، إذ الحدوث في كافة الأفراد يحكم بالحدوث في المجموع، و كذا المحدودية.

و مع الفرض أن اللانهاية في العدد تعني: أن هناك عدداً غير متناه بالفعل، رغم استحالته، و لكنها في العدد لا يقتضى اللّانهاية في المعدود لعدم الملازمة، نتيجة اختلاف الفرض و الواقع الخارجي.

رابعاً: أننا نُحيل اللّانهاية العددية حتى فرضا لعقل شأناً، إذ إنّ من المحال تر كسُّب اللّامحدود من الأجزاء المحدودة، و إن كان في تصور العقل، شأناً دون الفعلية و الواقعية الخارجية، لأن المركب من المحدود محدود لا محالة، و مماا نستدل به على المحدودية:

قبول الزيادة و النقصان، و العدد مما يقبلهما ذاتياً مهما بلغ، و إن كان إلى اللّانهاية، كما يزعم، حيث نتسائل عن العدد اللّا محدود:

هل إنّه يقبل الزيادة و النقصان؟ فان هو يقبلهما فهو محدود، و إن لا يقبل فليس عدداً!

هذا: و إنما اللّانهاية العددية تعني: أننا لا نحيط علماً بالحدِّ النهائي للعدد، لا أنه لا نهاية له!

خامساً: مع الغض عن كلِّ ما ذكره: إنّ الحدوث و الحاجة الذاتية في كافة اجزاء الكون، و إن صحت اللانهاية في السلسلة الكونية، هذا يحكم بأنَّ هناك وراء الحادثات احدثها، اذ إنَّ اجتماع الأعدام لا يقتضي الوجود، و إنضمام الكثرة العظيمة من الصفر، و إن كانت غير محدودة، هذا لا يُنتج عدداً و لا كسراً ضئيلًا منه.

إذاً فلا حيد للكائن الحادث عن محدثّ ما ليس هو حادثاً، فعش مع البحث في تأملاتك تجد الحقيقة.

نموذج عاقل من نماذج فقر الكون، هو الانسان!

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 67

 «يايُّهَا النّاسُ انتُمُ الفُقَراءُ الَى اللَّهِ واللَّهُ هُوَ الغَنِىُّ الحَميد» 25: 15.

هذه الآية القرآنية تهتف بالإنسان أن ينظر في علاقته باللَّه، 1- إذ إنّه أقرب ما في الكون إلى نفسه 2- و هو في الوقت ذاته جزء عاقل كامن من هذا الكون 3- و هو المكلف لأن يعتبر نفسه و ما حوله فقيراً إلى اللَّه تعالى‏

إن الانسان في حاجة إلى تذكيره بهذه الحقيقة في معرض دعوته إلى الهدى و مجاهدته- ليخرج من الظلمات إلى النور، في حاجة إلى تذكيره بانه فقير الذات في محاويجه إلى سواه و سويالكون: الى اللَّه ... لئلا يركبه الغرور.

حقيق للإنسان أن يَدهش و يُحار في فضل اللَّه و منّه و كرمه حين يرى هذا الإنسان الصغير الضئيل الجاهل القاصر الضعيف العاجز، ينال من عناية اللَّه و رعايته كل هذا القدر الهائل.

و الإنسان ساكن صغير من سكان هذه الأرض، و الأرض تابع صغير من توابع الشمس، و الشمس نجم مما لا عدّ له و لا حصر من النجوم، و النجوم إن هي إلا نقَطاً صغيرة، على ضخامتها الهائلة، متناثرة في فضاء الكون الذي لا يعلم الناس حدوده، و هذا القضاء الذي تتناثر فيه تلك النجوم كالنقَط التائهة- إن هو إلا بعض خلق اللَّه ...

و الكل تنطق بلسان الذات أنها بحاجة ذاتية الى اللَّه تعالى‏ ...

من خلق اللَّه؟!

أموجود دون خالق؟: نظرية الوجود:

المادي‏: لو تأكدنا من: أن اللَّه هو الذي خالق العالم، لكنّا نسأل: من هذا الذي خلق اللَّه؟

فإن الحاجة إلى العلة ذاتية للوجود، فلا نتمكن من تصور وجود متحررٍ عن علة مّا، إذاً فكل وجود معلول، مهما كان إلهاً ام مألوهاً

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 68

الإلهي‏: هذه نظرية البعض من فلاسفة الماركسية، مستندين في تبريرها علميّاً إلى التجارب زعمَ دلالتها في مختلف ميادين الكون: على أنالوجود بشتى ألوانه و أشكاله في نطاق التجربية، لا يستغني عن علة ما تعاصره، و افتراض وجود ليس له علة يتناقض هذا الناموس.

و لكنهم خفي عنهم: أن التجارب إنما تعمل في حقلها الخاص بها: النطاق المادي، و قصارى ما تكشف عنه: خضوع الكائنات المادية لمبدء العلية، لا أن الوجود بما أنه وجود بحاجة إلى علة، بل الوجود المادي بما هو مادي- و بصيغة آخرى: إن المادة بما هي حادثة: تحتاج إلى محدث‏

و لكنهم لما زعموا: أن الوجود هو المادة- و المادة تشمل مجالات الكون، لذلك حكموا: بأن الوجود بما هو وجود- بحاجة ماسة إلى علة: يعنون المادة، حال أن المادة أيضاً إنما تحتاج الى علة لأنها حادثة، لا لانها موجودة.

فإنما حاجة الشي‏ء إلى السبب مستندة إلى حدوثه دون سواه، و لذلك نرى الماديين الذين يعتقدون في: أزلية المادة الأصلية، نراهم لا يفكِّرون في: أن هناك علة خالقة لها، و ليس هذا إلّا لأن الحدوث هو الذي يفتقر إلى علة- و هو الباعث الرئيسي الذي يُثير فينا سئوال: لماذا وجد؟ أمام كل حقيقة من الحقائق التي نعاصرها في هذا الكون المادي، و على ضوء هذه الحقيقة يصبح مبدء العلية مقتصراً على الحوادث خاصة، فإذا كان الشي‏ء موجوداً بصورة مستمرة- و لم يكن حادثاً بعد العدم، انقطع عنه السئوال: لماذا وجد؟ فانه لم يوجد، بل كان موجوداً بلا ابتداء.

فسواءٌ كان هذا الموجود الأزلي مادياً- لو امكن- ام مجرداً عن المادة، فهذا السئوال منقطع دونه سواء.

كأن أن الموجود الحادث يُسئل فيه: لماذا وجد؟ مهما فرضته محدوداً، أو مجموعاً

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 69

لابداية لأفراده، فإن اللّابداية المجموعية، على استحالتها في ذاتها، لا تبرِّر وجود اي حادث من افرادها دون علة.

اذاً: فكما أن الماديين القائلين بأصالة المادة و أزليتها، لا يوجِّهون هكذا سؤال: لماذا وجدت الادة؟ إلى انفسهم- و لا يوجِّه اليهم ايضا، كذلك ليس لهم ان يوجّهوا سئوال:

لماذا وجد الإله؟ إلى الالهيين، لانهم ايضاً يرون الاله المجرد أزلياً، إذ إن الأزلية هي الاستغناء عن العلة، مهما كانت في مادة أم سواها.

فالقبيلان: المادي و الإلهي- إذاً يؤمنان بوجود أزليّة مّا في الكون، فإما أن تشمل كافة مجالاته «فلا خالق و لا مخلوق» كما يقول المادي، ام إنّ بعضه ازلي و هو اللَّه، و البعض الآخر حادث خلقه اللَّه، كما يقول الإلهي ... فهناك خالق و مخلوق.

الخالق نفسه؟!

المادي‏: فليكن الكون الحادث خالقَ نفسه دون حاجة الى سواه، كما و يقول بعض العلماء الإلهيين ايضاً: «اللَّه يعني الحادث من نفسه» فكما يصح التفكير في: أن يخلق اللَّه نفسه فلا يحتاج إلى سواه، كذلك فليكن الكون خالق نفسه، سواه، فلا يحتاج الى سواه! ..

محالٌ في محالٌ:

الإلهي‏: كون الشي‏ء خالق نفسه اي: موجودها من العدم: لا من شي‏ءٍ، هذا محال و تناقض، مهما كان هذا الشي‏ء هو اللَّه أو الكون المادي، و لكنه في اللَّه محال في محال.

و أما الاستحالة إطلاقاً: في الإله و في الخلق سواء، فلاستلزامه كون الشي‏ء قبلَ كونه، إذ إن الذي يريد ليخلق نفسه، يجب أن يكون و لا يكون لحالة واحدة: يكون قبل وجود نفسه حتى يكوِّنها، ضرورة لزوم وجود العلة قبل معلوله، و لا يكون حين يريد يكوِّن نفسه، اذ على فرض وجوده كان خلق نفسه تحصيلًا للحاصل، فليكن معدوماً حين خلقه ليُعطى نفسه الوجود، إذاً فليكن هذا الخالق لنفسه موجوداً قبل وجوده، لمكان عليته، و

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 70

معدوماً في نفس الوقت لمكان معلوليته، و هذا جمعٌ بين وجود الشي‏ئ و عدمه لحالة واحدة، جمعاً بين المتناقضين-

ثم التفكير في: أن اللَّه حدث من نفسه، كما يقول المبشر الانجيلي الدكتور بوست‏ «1» فهذه خرافة عارمة تربوا على الاولى في آنهاتحمل تناقضاً ثانياً.

إذ إنّ اللَّه في عقيدة الإلهيين ازلى لا أوَّل له فلا حدوث- فالقول بأنه أحدث نفسه جمع بين الأزلية و الحدوث في ذاته المقدسة- و هما نقيضان- كما أنه جمع بين وجوده و عدمه لحالة واحدة، و هما أيضاً نقيضان!!

و إنَّ لنا مع العلماء المسيحيين مواقف جريئة من الحوار، قد تكون أعجب من محاوراتنا مع الماديين، إذ انهم يرون عقيدة التثليث توحيداً خالصاً و يسمونها بتوحيد التثليث، حال أنها عقيدة في: الجمع بين النقيضين: ان يكون الإله واحداً حال أنه ثلاثة و ثلاثة حال أنه واحد، و مجرداً حالكونه مادياً و ماديّاً حالكونه مجرداً، و أباً حالكونه ابناً و إبناً حالكونه أبا! و محدوداً حالكونه غير محدود و غير محدود حالكونه محدوداً، و ما إلى لك من المناقضات التي تستتبعها عقيدة الثالوث حسب التفسير الكنائسي.

و قد سبق: أن أمثال هذه الخرافات الجارفة هي التي تخلق روح الإلحاد في الكثير من المسيحيين، حيث المنظمات و البيئات الكنائسية المسيحية تبذل غاية محاولاتها لجعل الناس يعتقدون منذ طفولتهم: في إله هو على صورة الإنسان- مثلَّث الأقاليم- صُلِب بايدى عبادة ضحيّةً لذنوبهم، من ناحية.

ثم العلم من ناحية أُخري يُحيل وجود هكذا إله، في حين أنه لا يتنافي و فكرة الإله جذريّاً- هذا- و المتحللون من المسيحيين عن الفكرة الكنائسية في الإله لا يجدون بدّاً

______________________________

 (1)-/ في قاموس الكتاب المقدس تحت عنوان اللَّه‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 71

من التصديق بوجود الإله، كما و تنقل الكثير من اعترافاتهم طوال بحوث هذا الكتاب!

الطاقة المادية و بيئتها

آنهاحادثة كز ميلها سواء

مسانخة العلة و المعلول‏

وحدة حقيقية الوجود او كثرتها؟.

هل ان الطاقة خالقة ازلية؟

المادي‏: فليكن الكون- أعني المادة- حادثاً بتمامه يحتاج إلى محدِث، و لكن التجرد عن المادة ليس من شروط الخالقية، بل إن المباينة الكلّية بين المادة و اللامادة تُحيل كون المجرد عن المادة خالقاً لها- فلتكن الطاقة هي الخالقة لهذا دون أن تكون المادة خالقة لنفسها- أو المجرد عنها كذلك، إذ العقل يُحيل كلّا منهما سواء.

فإذ قد نجد برزخاً بين المادة و اللامادة هي الطاقة، فلا تلجئنا الإعتقاد في: ضرورة أزلية مّا في الكون، أن تكون هي في المجرد عن المادة- الذي لم نصدِّق حتى الآن وجودَه- و لا نستطيع أن نصدقه، بل قد تُحيله.

فهاهي الطاقة في متناول إحساسنا بالوسائل المادية- فهي الخالقة الأزلية للمادة- لا سواها!.

البرزخ بين المادة و اللامادة!؟

المادي‏: إن الطاقة- مهما كانت- فليست إلا من جنس المادة أو اللامادة المجرد عنها، إذ أن حصر الموجود في المادة و اللّا مادة حصرٌ عقلي: دائر بين الايجاب و السلب، و لا برزخ بينهما عقلياً لأنهام في الموجود نقيضان لا يجتمعان معاً و لا يرتفعان معاً، اللهم إلا

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 72

أنّ نعتبر الطاقة معدومة حتى تنتفي عنها المادة و اللامادة بما انهما وصفان للموجود فلتُسلبا عن الطاقة إعتباراً بأنها معدومة!

فان قلتم: إنها من جنس المادة، قلنا: إن العقل يحيل كون المادة علة خالقةً تصدر عنها مادة أُخري، إلا أن تلد المادة و كما تتولد هي ايضاً من المادة، و الولادة تختلف عن الخلق و العلية التامة، كما سوف نوافيكم فيه ببحث فصل.

و إن قلتم: آنهامجردة عن المادة، رغم آنهاالطاقة المادية حسب الفرض، فقد اعترفتم بالازلي وراء المادة- و سوف نبرهن أنه يباين المادة كلياً، في الذات و في الصفات، لا مجانسة بينهما إطلاقاً.

الطاقة/ المادة.

لكن الطائقة المادية ليست إلا نفس المادة، تلدها و تتولد عنها، و لا تختلف عنها إلا بالإنطلاق و الإنتشار في الطاقة، و التكاشف و الإندماج في المادة.

فالمادة اذا انطلقت و انتشرت أصبحت طاقة، كما أنّ الطاقة اذا تكاشفت و تجمَّعت اصبحت مادة، إذاً فكلاهما مادة دون اختلاف بينهما إلا في البيئة الماهوية دمجاً و انطلاقاً.

فهناك بين الطاقة و المادة رابطة جوهرية ولادية تجعلها حقيقة واحدة.

 «اول من اكتشف الرابطة بين المادة و الطاقة انيشتاين، و العلم اليوم بمستطاعه تبديل الطاقة إلى المادة» «1».

 «و ليست المادة إلا ظاهرة من مظاهر الطاقة كالعكس» «2».

و يقول العالم الكيميائي جون كليفلاند كوثران: «و الكيميا، بحكم اختصاصها بدراسة

______________________________

 (1)-/ نقلًا عن جان كلوور مونسما مولف كتاب: اللَّه يتجلى في عصر العلم، ينقله عن: جان ادلف بوهلر

 (2)-/ كما يقول «اولين كارول كارليتس الهندس الكيميائي و الحاصل على درجة. من انيستيتو رايس و. و الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ميشيكان‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 73

الرتكيب و التغيرات التي تطرأ على المادة، بما في ذلك تحوُّل المادة إلى طاقة و تحوُّل الطاقة إلى المادة، تُعد من العلوم المادية التي ليس لها صلة بعالم الروحيات ..»

فالعلم الحديث بدء بمحاولة تبديل المادة إلى طاقة خالصة، أي نزع الصفة المادية للعنصر بصورة نهائية، و ذلك على ضوء جانبٍ من النظرية النسبية ا- (انيشيتين) إذ تقرر أن كُتلة الجسم نسبية، و ليست ثابتة، فهي تزيد بزيادة السرعة، كما تؤكِّد التجارب التي أجراها علماء الفيزياء الذرية، على الإكترونات التي تتحرك في مجال كهربائي قوي، و دقائق (بيتا) المنطلقة من نوِّيات الاجسام المشعة.

و لما كانت كتلة الجسم المتحرك تزداد بزيادة حركته، و ليست الحركة مظهراً من مظاهر الطاقة، فالكتلة المتزائدة في الجسم هي إذن طاقته المتزائدة.

فلم بعد في الكون عنصران متمايزان: أحدهما المادة التي يمكن مسُّها و تتمثل لنا في كتلة- و الآخر: الطاقة التي لا يمكن أن تُرى، و ليس لها كتلة، كما كان يعتقد العلماء سابقاً، بل أبح العلم يعرف أن الكتلة ليست إلا طاقة مركَّزة.

و يقول انيشتاين في معادلته: «ان الطاقة/* مربع سرعة الضوء، (و سرعة الضوء تساوي «816000» ميلًا في الثانية) كما ان الكتلة/ الطاقة مربع سرعة الضوء».

و بذلك ثبت: أن الذرة بما فيها من بروتونات و الكترونات ليست في الحقيقة إلا طاقة متكاثقة، يمكن تحليلها و إرجاعها إلى حالتها الأولى.

فهذه الطاقة هي الأصل العلمي للعالم في التحليل الحديث و هي التي تظهر في أشكال مختلفه و صوَر متعددة: صوتية و مغناطيسية و كهربائية و كمياوية و ميكانيكية.

و على هذا الضوء لم يعد الإزدواج بين المادة و الاشعاع بين الجسيمات و الموجات، أو بين ظهور الكهرب على صورة مادةٍ أحياناً، و ظهوره على صورة كهرباء أحياناً أخرى، لم يعد غريباً، بل أصبح مفهوماً بمقدار، ما دامت كل هذه المظاهر صورَاً لحقيقة واحدة:

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 74

هي الطاقة.

و قد اثبتت التجارب علمياً صحة هذه النظريات، إذ أمكن للعلماء أن يحوَّلوا المادة إلى طاقة و الطاقة إلى مادة.

فالمادة تتحول إلى الطاقة عن طريق التوحيد بين نواة ذرة الهيدروجين و نواة ذرة ليثيوم. فتنتج عن ذلك نواتان من ذرات الهليوم، و طاقة هي في الحقيقة الفارق بين الوزن اذرّي‏لنواتين من الهليوم، و الوزن الذي لنواه هيدروجين و نواة ليثيوم.

و الطاقة تتحول إلى المادة عن طريق تحويل اشعة «جاما» و هي أشعة لها طاقة و ليس لها وزن، تتحول إلى دقائق مادية من الكترونات السالبة و الإكترونات الموجبة، التي تتحول بدورها إلى طاقة، إذا اصطدم الموجب منها بالسالب.

و من أعظم التفجيرات للمادة، الذي توصل اليها العلم، هو التفجير الذي يمكن للقنبلة الذرية و الهيدروجينية أن تحقِّقه، إذ يتحول بسببهما جزءٌ من المادة إلى طائقة هائلة.

و تقوم الفكة في النقبلة الذرية، على امكان تحطيم نواة ذرة ثقيلة، بحيث تنقسم الى نواتين او اكثر، من عناصر اخف، و قد تحقق ذلك بتحطيم النواة في بعض اقسام عنصر اليورانيوم، الذي يطلق عليه اسم اليورانيوم 235، نتيجة لاصطدام النيوترون بها.

و تقوم الفكرة في القنبلة الهيدروجينية، على ضم نوى ذرات خفية إلى بعضها، لتكون بعد اتحادها نوى ذرات أثقل منها، بحيث تكون كتلة النواة الجديدة أقل من كتلة المكوّنات الأصلية.

و هذا الفرق في الكتلة هو الذي يظهر في صورة طاقة، و من أساليب ذلك دمج أربع ذرات هيدروجين بتأثير الضغط و الحرارة الشديدين، و إنتاج ذرة من عنصر الهليوم، مع طاقة، هي الفاروق الوزني بين الذرة الناتجة و الذرات المندمجة و هو كسر ضئيل جداً في حساب الوزن الذري.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 75

و على هذا الأساس فالمادة لها إطلاقان فيما تعنيه:

1- عامٌّ يشمل المادة و الطاقة كليهما، إعتباراً بالخاصة المادية المشتركة فيهما.

2- خاصٌّ يخص ما يقابل الطاقة، إعتباراً بما تعرفه العامة من لفظة المادة، و أنها المحسوسة لدى الجميع.

إذاً فليست تخص المادة بالمخلوقية و الطاقة بالخالقية، فإن كلّا منهما ينبثق عن قرينه، بل هو نفس قرينه و إنما الإختلاف حسب مختلف البيآت إندامجاً و إنطلاقاً.

و مهما يكن من شي‏ءٍ فمن المحاول أن يكون الشي‏ئ علة خالقةً لما يجانسه و بشاركه، فضلًا عن الطاقة التي هي منبثقة عن المادة كما تنبثق هي عنها سواء، و إذ ذاك فمن المستحيل أزلية الطاقة مع فرض حدوث المادة، فإنها جمعٌ بين الأزلية و الحدوث في ذاتٍ واحدة هي المادة، دون أن يكون هناك فرقٌ إلا في الإسم و الحالة و المادة التكاشف و الطاقة لحالة الإنطلاق».

و من المحال أن يكون شي‏ءٌ واحد ازلياً في حالة و حادثاً في أخرى، و خالقاً في حالة و مخلوقا في اخرى، و ليست خرافة أزلية و خالقية الطاقه، و حدوث و مخلوقية المادة إلا هكذا محال!

مسانخة العلة و المعلو!؟

المادي‏: و مهما يكن من شي‏ءٍ فمحال أن يكون بين العلة و المعلول تباين كلي، دون أية مجانسة و مسانخة في البين.

الفاقد لشي‏ئٍ لا يُعطيه؟!

فهذه قاعدة مطرَّدة بين الفلسفتين: الإلهية و المادية، أن الفاقد لشي‏ء لا يعطيه، و محال أن يعطيه فالكائن المادى بماله من خواص و بيئآت لا يصدر من مصدر هو خلوٌ عن الجوهرة المادية، و كما لا ينبثق الوجود م العدم و لا الغنى من الفقر و لا النور من الظلمة و

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 76

لا ايّ شي‏ءٍ من مباينه و مناقضه، قاعدة مطردة في كافة الفلسفات: العقلية و التجريبية.

وحدة حقيقة الوجود!؟

لذلك نرى الفلاسفة الإلهيين يرون حقيقة الوجود مشتركة بين الخالق و المخلوق، و يزيِّفون موقف الفلسفة المشائية القائلة: إن حقيقة الوجود متباينة في أفراده، و من براهينهم في وحدة حقيقة الوجود:

 لأن معنىً واضح لا يُنتزع‏

 

 مما له توُّحدٌ مّا لم يقع‏ «1»

 

و توضيح البرهان كالتالي:

في القضية القائلة: اللَّه موجود، و القائلة المادة موجودة، ماذا يُعنى من الوجود فيهما؟

1- هلا نفهم من الوجود هنا و هناك اي معنى؟

2- ام نعني من وجود المادة الحقيقة الخارجية و من وجود اللَّه ما يباينها: اي اللّا حقيقة؟

3- ام لا نعني من: اللَّه موجود؟ ايَّ معنى: لا الوجود المفهوم من المادة و لا العدم؟

4- ام نعني من الوجود في كلتا القضيتين معنى و حقيقة واحدة جنسية، لا شخصية؟

فالاول يعني ما تبطله الضرورة، فإن مفهوم الوجود من أظهر المفاهيم التي تفسَّر بها كل مفهوم سواه.

و الثاني يعنى: أنّ اللَّه ليس موجوداً، و هو ما كنانبغ طوال حوارنا، من أصالة المادة، و أنه ليس هناك! إله مجرد وراء المادة.

و الثالث: تزيِّفه الضرورة المقبولة عند كل أحد: أننا ندرك من: اللَّه موجود، معنيّ ما، و إلا لبلت المعرفة عند العارفين باللَّه، و بطل معنى لغة الوجود عند سواهم، ألفظاً بلا معنى؟ أم‏

______________________________

 (1) المنظومة للفيلسوف السبزوارى ص 19

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 77

نحن و لا ايُّ أحد لا ندركه؟

و الرابع: يعني وحدة حقيقة الوجود بين الخالق و المخلوق، و إن كان في جهةٍ مّا جوهرية خارجية: وحدة سنخية.

إذاً فمن الحال التباين الكلي بين الخالق و المخلوق في كافة الفلسفات، فلا محيد عن تصديق المجانسة بين الخالق و المخلوق!

الوالد و المولود، العلة و المعلول:

الإلهي‏: إن السنخية و المجانسة بين العلة و المعلول- في صيفتهما العامة- قد تكون ضرورية، و أُخرى مستحيلة حسب اختلاف الموارد، فهي ضرورية بين الوالد و المولود، إذ الوالد لا يتمكن أن يلد من جورة ذاته إلّا ما يجده فيها، و كذلك الولد يستحيل ان يُولد مما يباينه كلياً في جوهر الذات، و لكنها مستحيلة بين الخالق و المخلوق.

إذاً فكل مادة بإمكانها أن تلد أيّة مادة أخرى او تولد منها، إذ إن السنخية الجوهرية المادية سائدة في المادة مهما كائت.

و من المحال أن تنبثق اللّا مادة من المادة، او المادة من اللّامادة، إنبثاقاً ولادياً من جوهر الذات، لأن فاقد الشي‏ء لا يلده و لا يولد منه.

فهذه القاعدة سائدة مطردة في المادة بكافة مجالاتها، قضيةَ الولادة الحاكمة بالمسانخ، و العلل المادية تعمها و تسودها هذه القاعدة- لأنها ليست عللًا حقيقة، فإنما العلية في المادة تعني الولادة:

ولادةَ المادة عن الطاقة و الطاقة عن المادة، و ولادة الذرة عن الإكترون و البروتون، و ولادة الجزيئى (مولكول) عن الذرات- و ما إلى ذلك من ولادات في التبدُّلات الكيمياوية والفيزقية.

هذا في العلل المادة و معاليلها على ضوء كافة الفلسفات من مذاهبها العقلية و

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 78

التجريبية، و لا تختلف العلة عن المعلول هنا في حكم الأزلية أو الحدوث، فعلى فرض حدوث المعاليل المادية، كانت عللها المادية كذلك حادثه، و على فرض الأزليه أيضاً كانت أزلية- سواء، دون أن تختصَّ إحداهما بالأزلية و الأخرى بالحدوث، إذ إنّ المادة إذا كانت حادث، لم تكن كذلك إلّا لأنها مادة، و العلل المادية تشارك معاليلها في الماديّة فهي أيضاً حادثة بنفس السند، و إننا لا نجد علة مادية إلا و أنها معلولة لعلة أُخرى كذلك، و سوف نوافيكم في تزييف نظرية أزلية المادة: أن الادة حادثه لأنها مادة: لحركاتها و تغييراتها و تركباتها و التركُّب الذي يحمل كيانها.

اذاً فمن المحال ان يُصبح الخالق الأزلى للمادة: من سنخها- و إن كن واحداً في مليار، كلّا! إلّا تبايناً كلياً في الذات و في الصفات الذاتية تماماً.

ثم و اعطاء الشي‏ء و ايجاده على نوعين.

1- اعطاءٌ على سبيل الولادة كما في العلل المادية، فهي لا بدّ أ نتكون مادية كمعاليلها- سواء، إذ إنّ فاقد الشي‏ء: في جوهر ذاته- لا يعطيه- إخراجاً له من ذاته.

2- و اعطاءٌ على سبيل الإيجاد و الإصدار من العدم اي: لا من شي‏ء: لا من لا شي‏ء، و هكذا علةٍ يجب أن تباين معلولها ذاتية و لا تجده في جوهر ذاتها، و إنما تجد القدرة و العلمً على إيجاده و إصداره لا من شي‏ءٍ.

فكما أن السنخية في العلل المادية ضرورية، كذلك المباينة الكلية في العلة غير المادية مع معلولها: هذه ايضاً ضرورية، و إلا أصحبت حادثة كمعلولها- و والدة لها، أم اصبح المعلول أزلياً العلة على فرض أزليتها.

و أخيراً: إن فرض حدوث المادة يتافي تماماً مع فرض ولادتها عن خالقها: المفروض أزليته، فإن أزلية الخالق الواجد لذات المخلوق في ذاته- الوالد له من ذاته- هذه الأزلية تحكم بأزلية المخلوق المولود منه كمثله سواء، و الحدوث لا يعني حدوث الولادة فيما

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 79

يعنيه، و إنما يعنى حدوث جوهر الذات بما إليها من مادة و صورة.

إذاً ففرض ولادة الكون: الحادث- من خالقه الأزلي- إلتزامٌ بأزلية الحادث إطلاقاً: قبل الولادة و بعدها، أم أزليته قبل الولادة و حدوثه بها بعدها، و كلاهام محالٌ، إذ إنها جمعٌ بين المتباينين المتناقضين.

وحدة حقيقة الوجود أو كثرتها؟:

و أما قصة وحدة حقيقة الوجود فإنها لو كانت صحيحة مقبوله! فلا تَمِتُّ بصله لإثبات السنخية المادية بين الخالق الأزلي و مخلوقاته، فإن الفلاسفة الإلهيين مهما اختلفوا في البعض من المسائل الفلسفية- و هذه منها- فإنهم لا يختلفون في تجرد الإله الأزلي الخالق، تجرداً تاماً عن المادة و خواصها، و لا في أنه لا يشبه الكون ماديّاً و لا سواه.

و نظرية وحدة حقيقة الوجود- على خطئها العارم- إنها لم تكن تُثبت: أن اللَّه يسنخ و يجانس المادة- إطلاقاً- فإنهم يعتبرون حقيقة وجود المادة و سواها أمراً وراء المادة، مهما كان هذا الاعتبار صحيحاً أم فاسداً.

ثم هذه النظرية بدورها الخاطى‏ء ليست مما تصدَّقها كافة الفلاسفة الإلهيين، و إنما الفهلويون منهم، هم الذين اختلقوها، زعم أنها السبب الوحيد للجواب عن شبهة ابن كمونة اليهودي في التوحيد، دون أن يُبرهون لما بشي‏ء، إلا لزوم وحدة مّا في المعنيَّ من لفظة الوجود، بين الخالق و المخلوق.

يقول الحكيم الفهلوي السبزواري في منظومة الحكمة:

 الفهلويون الوجود عندهم‏

 

 حقيقةٌ ذاتُ تشكّكٍ تعم‏

مراتباً غنىً و فقراً تختلف‏

 

 كالنو حيثما تقوى و ضعُف‏

و عند مشّائية حقائق‏

 

 تباينت و هو لديَّ زاهق‏

لأنّ معنىً واحداً لا يُنتزع‏

 

 مما له توحّد مّا لم يقع‏

 

فهكذا يُثبت في زعمه خرافة حقيقة الوجود و يُزيِّف نظرات الباقين و منهم المشائين القائلين بكثرة حقيقة الوجود.

و لقد فصلنا القول في جوابه في محاضراتنا الفلسفية «1» بما نحتصره هنا كالتالي: إن أيّة وحدة و سنخية و مجانسة بين الخالق و المخلوق: في حقيقة الوجود و الصفات الذاتية للوجود- و مهما كانت- إنها تصطدم و تتنافي مع أزلية الخالق من الجهات التالية:

1- اعتبار الخالق أزلياً و حادثا!

2- أو أزلية المخلوق كالخالق سواء!

3- أو أن المخلوق أزلي و حادث معاً!

4- أو أن الخالق حادث كالمخلوق سواء!

5- و أخيراً أن الخالق ليس خالقاً سواء أكان والداً أم لا هذا و لا ذاك.!

و على أيّة حال، فإن فرض المسانخة بينهما إخراجٌ للخالق عن الأزلية تماماً أو بعضاً، نتاجاً لزاماً.

إذ إن المسانخة هنا إمّا أنها اعتباراً بولادة المخلوق عن الخالق- فهو والد فحادث كخلقه سواء- أو أن الخلق صادرٌ عنه بارادته دون ولادة، إذاً فليس هو خالقاً كخلقه أيضا- سواء حيث إن اختصاص العلة التامة بالعلية دون المعلول- مع الفرض انهما متجانسان- هذا ترجُّح دون مرجَّح- إذ الفرض أن المعلول بجد كل ما تجده العلة.

و أخيراً: إن حدوث و معلولية المعلول المجانس للعلة- يكشف عن ذاتية الحدوث لهكذا جنسٍ، اذاً فلتكن العلة أيضاً حادثة لأنها تحمل ما يحمله المعلول من الذاتية الحادثة.

______________________________

 (1)

-/ في كلية الإلهيات بطهران و في النجف الاشرف عند البحوث الفلسفية المقارنة

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 81

ثم هذه العلة الأزلية على الفرض، تشارك و تماثل المعلول في ذاتيةٍ مّا- و لا تخلو جهة الشركة عما يلي:

1- آنهاكجهة الفرقة.

2- أو هي تختلف عنها «1».

و في كلتا الحالتين كانت ذات العلة مركبة من الجهتين كذات المعلول، إذاً فالعلة حادثة كالمعلول نتيجةَ التركب، فإنه من أظهر آيات الحدوث و الحاجة، و سوف نوافيكم في بحثه الفصل عن إستعراض ظواهر و براهين الحدوث.

و على الفرض، و كما مثّله بالنور حيثما تقوّى و ضعف، أصبحت ذات الإله الأزلي مركبة من جهتي: الأزلية و الحدوث، الأولى من حيث العلية و هى الجهة المايزة عن المعلول، و الثانية من حيث يجد فيها سنخ ما في المعلول- فهو إذاً أزلي و حادث- رغم أن الذاتية الواحدة لا تحمل- و محال أن تحمل- كلي وصفي الأزلية و الحدوث، سواء أكانت مركبة منهما، أم أن أحداهما صفة و الأُخرى موصوفف أم- و بالأولى- هما شي‏ءٌ واحد مجرد!

فإن قيل: إن هذه الذاتية المشتركة، هي في الخالق أزلية و في المخلوق حادثة، حتى يصبح الخالق أزليّاً تماماً و المخلوق كذلك- قيل: إنه جمعٌ بين الأزلية و الحدوث في ذاتية واحدة في حالتين!

و إن قيل: إنها فيهما حادثة، أصبح الخالق حادثاً من جهرة الشركة، و كذلك من الجهة الأخرى المايزة، إذ المفرض أنها تجانس الأولى: كالنور حيثما تقوى و ضعف، و إذ ذاك أصبح ذات الخالق الأزلي حادثة تماماً.

______________________________

 (1)-/ فان الأشياء المتعددة بضرورة ماسة الى جهتين: جهة الوحدة، جهة الامتياز- حتى يتحقق التعدد- و الجهتان قد تتجانسان كالنور قويه مع ضعيفه، و قد ختلفان كالانسان و البقر

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 82

و إن قيل: إن الخالق اختص بالأزلية و العلية لأنه يجد من سنخ ذات المعلول و زيادة بما لا يتناهي- قيل: فالخالق مجموعة الذاتيات الحادثة غير المتناهية، و هذه المجموعة الحادثة حادثة الذات- سواء أكانت متناهية أم غير متناهية، بل هي أحوج الى العلة المحدثة من الحادث المتناهى.

فكلما ازدادت الذاتية الحادثة كثرة، ازدادت الحاجة و الفقر، كما أن الفقراء كلما كثروا كثرت الحاجة، و لا سيما الفقر الذاتي الذي لا يحمل أيَّ غنىً، إذ إنه ليس إلا كالصفر، لا يزداد تراكمه أو اللانهاية فيه: إلا التراكم و اللّانهاية في اللّاعدد، و إن كان كسراً من العدد.

و بصيغة أُخرى تحمل نموذجاً جامعاً لهذه المشكلات: إن أيّة مشاركة ذاتة بين الخالق الازلي و مخلوقاته- تُنتج انكار خالقيته و أزليته معاً- حيث إنها تحمل:

1- ازلية الحادث 2- حدوث الأزلى 3- تركب ذات الإله‏

4- عدم إختصاصه بالخالقية 5- أزلية الخلق كالخالق سواء!!

إذاً فوحدة حقيقة الوجود بين الخالق و المخلوق تتنافي و أزلية و خالقية الخالق تنافياً بيِّناً.

فالقول الفصل هنا: إن اللَّه تبارك و تعالى «خِلوٌ من خلقه و خلقه خلوٌ منه- باينٌ من خلقه و خلقه باينٌ منه: بينونة ذات و صفة لا بينونة عُزلة: في الإحاطة العلمية و القيومية، مباينٌ لجميع ما أحدث في ذواتها و صفاتها.

أجل: و إن مباينته أياهم مفارقته إنيّتهم و حقيقتهم، فالحجاب بينه و بين خلقه لإمتناعه مما يمكن في ذواتهم، و لإمكان ذواتهم مما يمتنع منه ذاته» «1».

فالبينونة السائدة بين الإله الازلي و خلقه إنما هي بينونة كلية تسود كافة المجالات‏

______________________________

 (1)-/ اقتباس من مختلف الروايات بشأن معرفة اللَّه‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 83

في هذا البين- دون أيّة شركة في الذات و الصفات الذاتية، و دون يجمعها شي‏ءٌ حقيقة وراء اللفظ: «موجودٌ، عالم، قادرٌ ...»

المادي‏: إذاً فضرورة وجود الكون تكشف عن ضرورة عدم الخالق، إذ إن مباين الوجود ليس إلا العدم!

اللَّه موجود و الخلق موجود:

الإلهي‏: الخلق موجود، يعني الوجود الحادث، و لا يعني: أن وجوده يشمل كافة مجالات الوجود، و ذنما هو وجودٌ خاص ضئيل ضعيف حادث فقير.

إذاً فمباينه المناقض له ليس إلّا عدم وجود الخلق عدم الوجود الحادث، لا العدم المطلق، و هذا كما ينطبق على المعدوم المطلق، لأنه ليس وجوداً حادثاً، كذلك ينطبق على الوجود الأزلي، فانه ايضاً ليس وجوداً حادثاً، و إنما هو ازليّ يباين بينونة التناقض مع الموجود الحادث.

و أحرى ان نقول: إن العدم المطلق ليس مناقضاً للوجود الحادث، و إنما يناقض هكذاوجودٍ الوجودُ غير الحادث: و هو الوجود الأزلي، فإن الشي‏ء الواحد ليس له إلا مناقض واحد، ضرورة أن المناقضة ليست الّا بين السلب و الايجاب و لا ثالث بينهما.

و هكذا نجيب عن مشكلة الفهلوى: إن المباين المناقض لوجود الخلق ليس هو العدم المطلق كما انتجه من فرضه الرباعي «ام نعني من وجود المادة: الحقيقة الخارجية- و من وجود اللَّه: ما يباينها اي: اللّا حقيقة».

فنحن نقول: نعني من وجود اللَّه اللّا حقيقة المادية و اللّا وجود الحادث الخَلقي، و هو منطبق تماماً على الوجود الأزلي.

أجل: فإن هناك فرضاً خامساً هو الصحيح، دون الفروض الأربعة الغالطة و نحن نتظم الفروض الخمسة كالتالي:

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 84

وجود الخالق و المخلوق في فروض:

في القضية القائلة: اللَّه موجود، و الخلق موجود- يُعنى أحدى المعاني التالية:

1- لا تفهم من الوجود هنا و هناك أيّ معنىً!

2- نعني من: الخلق موجودٌ: الحقيقة الخارجية، و من: اللَّه موجودٌ: اللّا حقيقة الخارجية!

3- لا نعني من: اللَّه موجود- آيَّ معنى ايجابى و لا سلبي!

4- نعني من الوجود في كلتا القضيتين: معنى و حقيقة واحدة جنسية، لا شخصية!

5- نعني من وجود الخلق كما نعنيه من الحقيقة الخارجية المخلوقة الحادثة، و من وجود الخالق: الحقيقة الخارجية الازلية المباينة للخلق: ذاتاً و صفاتاً.

و نحن لا نعني هنا إلّا المعنى الخامس، و الفهلوي يزعم انحصار المعاني في الأربعة الأولى.

المادي‏: فما هو جواب عن مشكلة عدم الواحدة المعنوية بين الوجودين؟

الإلهي‏: إننا في حوارنا الفلسفي لا نبحث بحثاً لغوياً، حتى يُعتبر اختلاف المعنيِّ من الوجودين عويصة غامضة لا مردّ لها إلّا الإعتناق بخرافة وحدة حقيقة الوجود، التي تتنافي و الأزلية و الخالقية في الإله!

إنما نبحث عقليّاً، مهما كانت نتائجه منافية للمفاهيم اللغوية أ موافقة لها.

المفاهيم السلبية في فكرة الإله:

فنحن إذ نبرهن على ضرورة وجود الإله الأزلي المجرد اللّا محدود، مجهول الكنه في ذاته و صفاته، إذا نحيل تصوّره و الإحاطة به: عقلياً و الإشارة اليه ذهنياً و ادراكه بأيّة وسيلة من وسائل الإدراك.

اذاً فلا نعني من وجوده- و لا نتمكن أن نعني منه-: ما نعنيه من سائر الوجودات، و لا

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 85

ان نكتنه ذاته و إن كان في تصوّر المعنى، و إنما نصيبنا من معرفته تعالى‏ الناحية السلبية المنتظمة في:

 «خارجٌ عن الحدين: حدّ الإبطال و حدّ التشبيه».

فحدّ الإبطال: أن نبطله و تنكر وجوده كالماديين- و حدّ التشبيه: أن تنُثبته اثبات التشبيه، بان تمثّله مثالَ خلقه و إن كان في معنى الوجود، و إن في اشارة عقلية بأدقّ معانيها!

فإنما لنا: ان نسلب عنه العدم و العجز و الجهل و الموت، فلا نفهم و نعني من وجوده إلا:

أنه ليس بمعدوم، و لا من حياته: إلا أنه ليس بميت، و لا من قدرته: الا انه ليس بعاجز، و لا من علمه: إلّا انه ليس بجاهل.

هذا منتهى معرفتنا به: ان نسلب عن كافة الذاتيات و الصفات الحادثة و كافة النقائض.

الخلق بكافة مجالاته صفات سلبية للَّه‏تعالى:

و بكلمة أحرى: إنَّ كمال تنزيهه تعالى‏: أن نسلب عنه كافة ما للخلق، و كلّ ما عنده من معاني و ذوات و صفات، مع اثبات وجوده بمعنى أنه ليس بمعدوم.

فإنما مستوى ادراكنا: العدم المطلق و الأعدام الخاصة و الوجودات الحادثة المخلوقة، و أما الوجود الازلي المطلق بصفاته الذاتية، فإننا لا ندركه و محالٌ أن ندركه، إذا إدراكاً لما ليس لنا ذاته و لا مثاله؟ او ادراكاً لما لا نحيط به علماً و هو محيط بنا؟!

فاذ قلنا: اللَّه موجود حيّ عليم قدير: فالا نعني منها لا نعنيه بالنسبة لا نفسنا فإنَّه تشبيه- و لا العدم المطلق فإنه إبطالٌ «فإنه خارجٌ عن الحدين: حدّ الابطال و حدّ التشبيه»

إنما نعني: أنه ليس بمعدوم و لا ميِّت و لا جاهل و لا عاجز، فنحن اقرب الى العدم منا إلى الوجود و لذلك نأنس بالعدم اكثر ممّا نأنس بالوجود.

هذا و كما نسلب عنه كافة الذوات و الصفات لمن سواه، تنزيهاً لساحة ربوبيته، و

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 86

سوف نوافيكم في كلمة أخرى لهذا البحث.

الصدفة في خلق العالم‏

المادي‏: كلّ هذه العاني إنما تنتظم و تصدَّق على فرض حدوث العالم، و أنه لابدَّ له من خالق ازليّ، فقد يقضي على لزوم الأزلية اطلاقاً، في المادة و سواها امكانُ الصدفة في خلق الكون بما فيه.

فإن لنا محيداً واسعا للتخلص عن إعتناق فكرة الإله الأزلي المجرد، و ذلك يبرز في ناحيتين:

1- إن خالق الكون ليس إلّا نفسه أو أنه الصدفة، و ذلك على فرض حدوث الكون.

2- ذن أزلية المادة أقرب و أسهل للقبول و التصديق، من خلقها بارادة الإله الأزلي المجرد عن الادة، إذ لو أننا حصّلنا معنى الأزلية؛ لم نكن لنفهم شيئاً عن المجرد وراء المادة فضلًا عن أزليته!

الإلهي‏: «ام خُلقوا من غير شي‏ءٍ ام هم الخالقون. ام خلقوا السماوات و الارض بل لا يوقنون»

فهل إن الصدفة امرٌ وجودي ام عدميّ؟ فعلى الثاني يلزم حدوث الكون دون علة، و على الأول نبحث عن هذه العلة الوجودية التي تسّمونها صدفة، فهي اذاً حادثة كالمادة نفسها حسب الفرض، ام مجردٌ عنها و هذا ما كنا نبغ طوال البحث!

خلق العالم من العدم؟

المادي‏: و أنتم أيضاً تقولون: إن اللَّه خلق العالم من العدم، اذاً فالعدم هو الأساس لخلق العالم، سواء أكان صدفة أم سواها!

فالكون خُلق من غير شي‏ءٍ، رغم الآية المحيلة له- كما أن الإله فيما تزعمون، خلق‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 87

العالم من غير شي‏ء، سواء.

الإلهي‏: من غير شي‏ء في الاية، تعني: دون أية علة خالقه، بدليل أم هم الخالقون استناداً إلى ضرورة وجود خالقٍ مّا لأي مخلوق.

فالخالق قد يخلق الشي‏ء لا من شي‏ءٍ كان قبله، دون أن يخلقه من اللّاشي‏ء، فإنه محالٌ بل إنما يخلقه لا من شي‏ء إلا بارادته النافذة المبدعة للكون، كما خلق الكائن الاول، مهما كان لاول وهلة، و انما امره اذا اراد شيئاً ان يقول له: كن- فيكون.

و قد يخلق الشي‏ء من الشي‏ء كما يخلق الجنين من النطفة و الشجرة من النواة و كلَّ فرعٍ من اصله الذي خلقه لأول مرة، تبديلًا في الصورة و الماهية و تطويراً للمادة في اطارات تترى.

و كما ترى: إن البون شاسع بين الخلق لا من شي‏ء: بارادة الخالق الأزلي- و الخلق من لا شي‏ء: دون أية علة خالقة إطلاقاً، بونٌ كما بين وجود العلة و عدمها للمعلول.

و فرقٌ بين خلق الكون من لا شي‏ء و خلقه لا من شي‏ئ فالاول هو الذي يعني الخلق من العدم‏ «1».

الصدفة الخالقة؟

الإلهي‏: إنَّ لنا برهاناً بيِّناً على امكان الخلق دون ايّة علة، هو الواقع الخارجي في عملية الصدفة كالتالي:

1- انك تغوص في البحر، تقصد استخراج اللؤلؤ، فتبذل قصارى جُهدك، لكنك لا تعثر إلّا على شي‏ءٍ آخر ارخص منه او اغلى، دون اية علة إلا الصدفة!

2- أو تهدف بالرمي هدفاً خاصاً فتخطئه إلى غيره، فهل تعلل هذا و ذاك إلّا بالصدفة.

______________________________

 (1)-/ راجع حوار الامام الصادق (عليه السلام) مع الزنديق في هذا الموضوع كما يأتي‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 88

الإلهي‏: أولًا: إنّ المثال ليس بالذي يعارض البرهان و الضرورة المقبولة في كافة الفلسفات: إنَّ المعلول، كائناً ما كان، إنه بحاجة ذاتية إلى علة مّا يعلل بها.

ثانياً: إن مثال الصدفة في الغوص و الرمي يختلف عما تستهدف إثباته، و هو الصدفة في أصل حدوث الكون، فهناك صدرت بعض العلل الوجودية: من الرمي و الغوص، دون خلق الكون، الذي لم تفرض له أيَّة علة وجودية و لا بعضها.

ثالثاً: ان المثالين لا يخلوان عن العلة التامة، ففي مثال الغوص لم يكن الحصول على غير المأمول إلّا بعلة الغوص من نقطة خاصة على شكل خاص و من طريق خاص، و إن هذا الطريق يوصل إلى ما لا يقصده الغواص، دون ان يعلم ذلك، فلم يتلوَّن هذا الغوس بلون الصدفة و اسمها نتيجةَ جهل الغواص: مدخله و مخرجه و جهله: أنَّ الهدف في هكذا غوص ليس هو اللؤلؤ، و إنما هو جوهرٌ آخر.

و ليس للعلم بوصول الهدف عليه مّا في ذلك، فكل حادثة في الكون مسبوقة بعلة تامة تُعلَّلُ هي بها، سواء أكان المتعامل مع العلة عالماً بالعلية ام لا، و إنما تختص الحادثة في صورة الجهل باسم الصدفة قضيةَ جهل المتعامل أو الناظر فيها: بالعلية و المعلولية.

و لنأخذ مثالًا على ذلك: حجرٌ يقع فيشجّ رأس إنسان بشكل خاص، فإن موقفنا من الرامي يحدَّد على ضوء علمه أو جهله، فمع العلم ينسب العمل اليه فيذَمُّ به، و مع جهله ينسب إلى الصدفة مجازاً، مع أن الرامي هو هو بعينه، بلا أي تغيير للواقع الموضوعيّ للرمي.

فليست كلمة المصادفة هنا و هناك إلا نتيجة عدم التقصُّد في الحادثة، و لا مدخل للقصد و النية في العلية- و إنما العلة التامه في الحوادث هي الأفعال التي تنتج الحادثة، عَلِمَ المعامل مع لعلة أم جهل.

و اذا فتشنا عن اية حادثة تسمّى صدفة وجدنا علة تامة المعالم تحدثها معاصرةً لها

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 89

على جهل للفاعل أو غيره، بلا استثناء لذلك، إذ إنّ القاعدة العقلية لا يستثنى منها.

المعارضة الميكانيكية: حركة بلا علة معها؟!

المادي‏: لقد حقق الميكانيك الحديث، على ضوء القوانين التي وضعها (غاليلو) و (نيوتن) للحركة الميكانيكية: أن الحركة إذا حدثت بسبب فهي تبقى حتماً، دون حاجة في استمرارها إلى علة، خلافاً للقانون الفلسفي القائل: أن كل حادث بحاجة ماسة إلى علة تعاصره، و هذه المعارضة الميكانيكية تؤدّي إلى إلغاء مبدء العلية رأساً- إذ إن الحركة إذا امكن لها أن تستمر دون علة، كان في إمكانها أن تحدث أيضاً في البداية، دون علة، و على ضوء هذه الامكانية في حدوث و استمرار الحركة دون علة، نستوحى إمكانية حدوث الكون بكامله، ابتداء بلا سبب، إذاً تحرّر الحدوث عن العلة اطلاقاً.

الإلهي‏: هنا ايضا نكرر: إن الواقع الخارجي المزعوم لا يستطيع ان يتارض مع البديهة العقلية لا سيما أن السند العلمي لهذا القانون ليس إلّا التجربة: التي توضح أن جهازاً ميكانيكياً متحركاً بقوة خاصة في شارع مستقيم، إذا انفصلت عنه القوة الحركة فهو يتحرك بمقدار مّا بعد ذلك- قبل أن يسكن نهائياً، و من الممكن لهذه الحركة ان يُزاد في أمدها بتدهين آلات الجهاز و تسوية الطريق و تخفيف الضغط الخارجي فإذا ارتفعت كافة الموانع عن الحركة، كان معنى ذلك إستمرار الحركة إلى غير حدّ بسرعة معيّنة، فيعرف من ذلك، أن الحركة إذا أثيرت في جسم و لم تعترضها قوة خارجية مصادمة، تبقى بسرعة معيّنة و إن بطلت القوة، فالقوى الخارجية إنما تؤثر ي‏تغيير السرعة عن حدّها الطبيعي، تنزل أو ترتفع بها.

و إننا تعارض هذاالسند كالتالي:

أولًا: إن الواقع الخارجي في بداية الحركة الجسم المتحرك يُلزمهم دن التحرك بحاجة ذاتية إلى محرِّكٍ مّا- و ان غاليلو و نيوتون- أنفسهما- لا ينكران ذلك، حيث يقولان: إنَ‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 90

الحركة إذا حدثت بسببٍ ... و لا أن أحداً حتى الآن يكر حاجة المتحرك في بداية الحركة إلى محرّك مّا.

فهذه الحقيقة تدلالنا: أن الحركة، مهما كانت مبتدئه أو مستدامة، فهي بحاجة الي محرّك مّا- سواء- فإن إستمرار الحركة ليس إلّا حدوثها متواليةً، و من المحال أن تحتاج الحركة- ذاتياً- إلى المحرّك- حيناً مّا- ولا تحتاج إليه حيناً آخر.

و هذا ببرهن لنا: أن هناك علة لإستمرار الحركة- خفيت على المعارضين الميكانيكيين.

فقد زعموا: أن العلة الحقيقة للحركة هى القوة الخارجية المحركة فحسب، و أن الحركة إستمرت بالرغم من انقطاع هذه القوة الخارجية.

و لكن الواقع: أنّ التجربة لا تدلّ على أن القوة الدافعة من خارج هي العلة الحقيقة للحركة، و إنما تشاهد الحركة عند عملية القوة الدافعة، فمن الجائز أن يكون السبب الحقيقى للحركة شيئاً موجوداً على طول الخط- في الخط و في التحرك- و الأسباب الخارجية إنما تعمل لإثارة هذه القوة و إعدادها للتأثير، فكلمّا كان الدافع الخارجي أقرى كانت الحركة أسرع و أطول.

و مهما يك من شي‏ءٍ فإننا نعلم بيقين: أن الحركة المستمرة في الجسم تُعاصِر محركاً لها، و عدم العلم بهذا المحرك لا يوحي: أن ليس هنا محركٌ في الاستمرار أبداً، و إلا كان لزاماً أن يتحرك كل جسم في بداية حركته دون محرك، لغير النهاية.

ثانياً: لم لا يجوز أن تكون القوة المحركة المعاصرة للمتحرك مستمرةً، هذه القوة حدثت بالدافع في نفس المتحرك، فهي تحركها في مدى إستمرارها و بقاءها.

أو أن هناك توجيهاً آخر فيزيقيّاً لم يكشفوا حتى الآن عن وجهه النقاب، فان التجربة الميكانيكية لم توضح ما هي العلة الحقيقية للحركة، لنعرف ما إذا كانت تلك العلة قد

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 91

زالت مع استمرار الحركة.

و إنما هؤلاء زعموا: أن العلة الحقيقية للحركة هي القوة الخارجية، و لكن الواقع أن التجربة لا تدل على شي‏ءٍ هنا إلّا: أنّ الحركة استمرت بعد انقطاع الصلة من الدافع الخارجي، و بقى عليهم أن يبرهنوا في: أن العلة الحقيقية هنا إنما هو الدافع الخارجي، فهذه التجرة الناقصة المتنية على الحدس و التخمين لا تستطيع أن تعاكس القانون الفلسفي الذي ذكرناه، و هو أيضاً مقبول لديهم في بداية الحركة لكل متحرك.

ثالثاً: إن هذه التجربة لا توضح إمكان ان تحدث الحركة دون علة- و أن توجد الأشياء ابتداءً بلا سبب- رغم أنهم برهنوا- في زعمهم- على إمكانه بالواقع التجربي من استمرار الحركة دون علة.

فإن لنا أن نعكس الأمر استناداً إلى الواقع المحسوس: أن الحركة الإبتدائية ليست إلّا بالدافع الخارجي، فليكن استمرارها ايضاً بحاجة ذاتيه إلى محرك مّا- سواء- مهما عرفناه أو جهلناه، دون ان يستند إلى: أن الحركة تستمر دون علة، لإثبات امكان الحركة الابتدائية دون علة، فان السند و النتيجة كلاهما ساقطان، إذ ان التجربة لم تثبت هذا السند، و ان نتيجة الإمكان لو كانت صادقة لما بقيت الاجسام الساكنة على سكونها، رغم امكان حركتها الابتدائية دون علة فان هكذا إمكان يساوي الوقووع، إذ إن الممكن الوقوع إنما يترقّب الوقوع بعلة، فعلى فرض عدم الحاجة إلى علة- كان الواجب وقوعه، كما يجب وقوع المعلول المعاصر لعلته، سواء.

رابعاً: إن استمرار الحركة لو كانت دون علة مّا، لما اختلفت الحركات المستمرة سرعة و بُطئاً و لا أمداً زمنياً، حال أن الواقع الخارجي يوضح لنا أن هناك إختلافاً شاسعاً بين الحركات المستمرة- حسب اختلاف الدوافع- فلوأن الدافع لبداية الحركة لم يخلِّف أثراً مّا في المتحرك أو في الخلط أو فيهما- أو انه يشير قوة مَّا فيهما أو في أحدهما و يعدَّها

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 92

للتأثير، حسب الطاقة التي أوجدها هذا الدافع قوةً و ضعفاً، إذاً لاستحالت هذه الإختلافات في الحركات استمرمرة، فإن فرض عدم معاصرة علّة مّا للحركة المستمرة يفرض أن يكون هذه الحركة متساوية المدى و السرعة، للمساوات في عدم العلة!

خامساً: إن انتاج إستمرار الحركة دون علة، على فرض ارتفاع كافة الموانع، هذه إحالة على المحال، فإن من الموانع القاطعة هى الفضاء، التي تصطدم المتحرك في اصطكاكه- و تمنعه و تقلل من حركته، فهل من الممكن أن يرفع مانع الفضاء أيضاً كما يرفع الموانع الأرضيه- حتى تصبح الحركة في غير خطٍّ مّا و مكان مّا؟!

فهناك في هذه التجربة الميكانيكية بيننا و بينهم بون شاسع- فإنهم ينقضون اليقين بالشك و نحن ننقض الشك باليقين، و لتفصيل البحث عن: أن العلة المحدثة هي العلة المبقية، و أن بقاء المعلول بحاجة إلى علَّة تعاصره كحدوثه- سواء- له مقام آخر سنوافيكم فيه.

فليس شي‏ءٌ من هذه المشكلات الشّائلة في طريقنا إلى اللَّه، من التجريبية الديناميكية و سواها، ليست هذه بالتي تعرقل خطواتنا الجبارة في هذه السبيل و اللَّه من وراء القصد- و هو حسبنا و نعم الوكيل.

مشكلة التجرد و الاجابة عنها

المادة أو اللَّه؟

هل ان وجود الخالق يستلزم الايمان به؟

مشكلة التجرّد

المادي‏: إننا بعدماندرس مشكلة الحدوث، نصل إلى مشكلة هي أصعب من الحدوث، و هي مشكلة التجرد للعلة المحدثة، فنحن لا نستطيع أن نتصور المجرد عن المادة كياناً

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 93

فضلًا عن أزليته و أنه المصدر الأصيل لخلق الكون أجمع!

فهب إن الكون- حسب الفرض- حادث- و هو بحاجة ذاتية جوهرية إلى علة مّا، ثم تحقّقنا أنّ العلة تباين الكون المعلول تبايناً كليّاً في الذات و في الصفات، وحتى في حقيقة الوجود- إلّا أننا نتأكد بعد ذلك كلِّه من: أن تجرَّد الخالق عن المادة ليس إلّا تجرده عن الوجود! إذاً فنحن في فكرة العلة المحدثة بين أمرين:

1- إنّ العلة المحدثة أيضاً مادية، و لكنها تباين المادة الكونية كليّاً فهي مادة لا كالمواد، كما تقولون: إنه شي‏ءٌ لا كالإشياء!

2- أو أنها مجردة عن المادة، و نحن لا نستطيع أن ندرك أو نعقل عن المجرد عن المادة إلّا المجرد عن الوجود!

اذاً فالاعتناق بالخالق المادي: لا كللواد- أقرب إلى الفهم و التصديق من أن نعتقد في:

الخالق المجرد عن الماده.

خالق الكون: مادة لا كللواد- أو: مجردٌ عن المادة؟

الإلهي‏: إنّما المشلة الشّائله في طريقكم إلى اللَّه، هي زعم أن المادة هي الوجود و الوجود هو المادة- سواء- و على هذا الأساس تُكرّرون هذه الغلطة الساقطة ليل نهار- أن: اللّا مادة/ اللّا وجود، و اللاوجود/ اللامادة!

حال أن المادة لا تعني الوجود: لا لغوياً و لا فلسفياً و لا أن الوجود يعني المادة كذلك، و إلا، كما سبق، أصبحت المادة و الوجود مستحيلة، بسند الحدوث الذاتي في كافة مجالات المادة حسب الفرض، و لا تستطيع المادة مهما كانت بيئَتها، و لا كالمادة:

أن تكون هي العلة الأزلية، إذ أن ذاتية الحدوث تشمل كافة مجالات المادة، و كما سوف نوافيكم في الحبث عن حدوث المادة.

و القول: إن الخالق مادة لا كالمواد كما أنه شي‏ءٌ لا كالأشياء، مع الفرض أنه يباين‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 94

المادة كلياً: تَبايُن التناقض، هذا جمع بين النقيضين في ذات الخالق، إذ إن أمره لا يخلوا عن:

1- أنه مادي، مهما كان، أو:

2- أنه مجردٌ عن المادة كذلك.

و من المحال أن يحمل الوجود كلا وصفيه، الحاضرين الأصيلين: «المادة و اللامادة»:

المتناقضين، أو أن يتحلل عن كليهما، جمعاً بين النقيضين أو خلواً عنهما!

و الصيغة اللفظية: أنه مادة لا كالمواد، لا تنفع في رفع مشكلة التناقض، و ليست هذه الصيغة إلا كما يقال: البَرَد بياضٌ لا كسائر البياض، بُغيةَ سلب البياض عن البَرَد!

إذ إن هذه المادة الأزلية الخالقة التي ليست كالمواد! إنما تعني في هذه السالبة أحد أمرين:

1- ليست كسائر المواد في الشكل رغم أنها مادية.

2- ليست كسائر المواد حتى في أصل المادية، أي: ليست مادة حال أنها مادة!

فعلى الأول كان مادياً و كفاه ذلك حدوثاً كسائر المواد، سواء.

و على الثاني كان مجرداً عن المادة، حيث الفرض أنه لا يشارك المواد حتى في اصل المادية، فتسميته باسم المادة تسميةٌ باسم مناقضه، و المحاورات الفلسفية ليست بالتي تؤثِّر فيها التسميات الجافّة و لا سيما هكذا تسميات!

شي‏ء لا كالاشياء:

و أمّا النقض: بأن اللَّه شي‏ءٌ لا كالاشيا، فإنه ليس إلا مغالطه بيِّنة، إذ إن اليشئية تختلف عن المادية، فإن المادة مهما كانت فهي حادثة دون ريب- لانها لا تشمل كافة مجالات الكون، فالمادة لا كالمواد حادثة- لو صحت التسمية- كسائر المواد، سواء، و لكن الشي‏ء:

منه حادثٌ و هو المادة، و منه ازليٍّ هو المجرد عن المادة، و القول: أن اللَّه تعالى‏ شي‏ءٌ لا

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 95

كالاشياء، فيه إثبات و نفي: إثبات أنه موجود، و نفي أنه يماثل سائر الوجود، و بصيغة اخرى: إنه خارج عن الحدين: حد الابطال و حد التشبيه.

و بتعبير آخر: كونه ادة لا كالمواد، يثبت ماديته، و لازمها الحدوث، مهما كانت، و أما كونه شيئاً لا كالاشياء، فإنه يثبت وجوده بما انه شي‏ء- ثم ينفي عنه ذاتية الحدوث حيث يسلب عنه الكينونة الحادثة المادية، فهولا يشارك الكون حتى في حقيقة الشيئية الحادثة، فله شيئية و حقيقة تباين الكون كليّاً، و لكن المادة محالٌ أن تباين مادة أُخرى كلياً و على فرض التباين لا تحلل عن الحدوث هو لزام المادة!

اذاً فلا سبيل لكم إلا: أن تعتقدوا إما في: أن الكون محالٌ بكافة ما فيه، إذا كان حادثاً دون خالق ازلي، أو أن له لهاً مجرداً أزلياً! ...

اللَّه بجمع السلوب المادية؟!

المادي‏: رجاء الإجابة عن الاسئلة التالية حول الإله المجرد!:

هل له مكان أو زمان؟ لا.

هل له حدٌ و أبعاد أو لونٌ من الالوان؟ لا.

هل له أعضاء: يدٌ و رجلٌ و قلب ورثة و عينٌ و أنف و لسان و حاجبان و ..؟ لا.

فهل له شي‏ءٌ مما لهذا الكون، مهما كان؟ لا.

إذاً فالإله المجرد عن المادة مجموعة اللاثات و الأعدام، فهو: لا، عند كل سؤال عن أيِّ كيان للكون- فمجرد عن أصل الوجود- فأين له الوجود و أنتى؟! ثم أنتى هي الأزلية و الخالقية لما لا وجود له؟!

الكون المادي من صفات الإله: السلبية:

الإلهي‏: إننا نعارضكم بالمثل كالتالي:

هل إنّ الكون الماديّ أزليُّ؟- حسب الفرض: لا

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 96

هل إنه غير متناه و لا محدود؟ لا.

هل إنه الحياة اللّانهائية؟ لا.

هل له العلم اللّانهائي؟ لا.

هل له القدرة اللّانهائية؟ لا.

هل إنه خالق نفسه أم غيره؟ لا.

اذاً فالكون المادي مجموعة اللآئات و الأعدام، فهو: «لا» عند كل سؤال عن أيّ كيان حقيقي- فالمادة إذاً صيغة أُخري عن اللاوجود!

المادي‏: نفي هذه الصفات عن الكون المادي لا يعني نفي كونه، و إنما يعني نفي ما ليس له من صفات أزلية- لأنه ليس أزليّاً- فالكون المادي موجود لكنه لا يحمل صفات الأزلية لانه حادث.

الإلهي‏: و كذلك نفي صفات المادة عن الإله المجرد الأزلي- لا يعني نفي وجوده- و إنما يعني نفى ما لا يخلق له من صفات الحدوث و الفناء:

فنفي الصفات الازلية عن المادة يعني: أنها ناقصة حادثة محتاجة إلى إله أزلي وراء المادة.

كما أن نفي الصفات المادية الحادثة عن اللَّه تعالى‏ يعني: أنه تعالى‏ في غاية العزّ و القدرة و العلم و الغنى و كافة الكمالات اللائقة بذات الألوهية.

نفي و نفي!

فاللَّه تعالى‏: ذاته و صفاته الذاتية كلتاهما من الصفات السلبية للكون، إذ ليس عندهم شي‏ءٌ مما عنده.

و الخلق ذواتهم و صفاتهم: من الصفات السلبية للَّه‏تعالى‏- إذ ليس فيه مآلهم- سلباً للحدوث عن ساحة ألوهيته تعالى‏، فهو على حدّ تعبير الأمير عليه أفضل الصلاة و السلام:

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 97

 «لا اسمٌ و لا جسمٌ و لا مِثلٌ و لا شبهٌ و لا صورة و لا تمثال و لا حدٌّ و لا حدودٌ و لا موضع و لا مكان و لا كيف و لا أين و لا هنا و لاثمة و لا ملأ و لا خلأ و لا قيام و لا قعود و لا سكون و لا حركة و لا ظلماني و لا نوراني و لا روحاني و لا نفساني- فلا يخلو منه موضع و لا يسعه موضع- و لا على لون و لا على خطر قلب و لا على شمِّ رائحة. منفيٌّ عنه هذه الأشياء» «1»

فذالكم اللَّه رب العالمين، تسلب عنه المادة: بحدودها و خواصها و آثارها، لانها نقصٌ في نقص، حدوث في حدوث، فقر في فقر، سلبٌ في سلب! ..

فنحن إذ ننفي عن ذاته تعالى‏ و صفاته: الحيثيات الذاتية و الصفاتية: المادية فإنّما نعتبرها من صفات السلبية.

و إذ نثبت له الأزلية و التجرد عن المادة و العلم و الحياة و القدرة المطلقة، فهي من صفات الثبوتية، و ان كانت هي أيضاً على حدّ أفهامنا ترجع إلى السلبية ايضاً، لا كالأولى.

فإذ قلنا: إنه: «لا اسم و لا جسم و ...» نعني بذلك السلب الحقيقي:

و إذا قلنا: إنه موجود أزلى عليم حيِّ قدير ... نعني: أنه ليس بمعدوم و لا حادث و لا جاهل و لا ميت و لا عاجز، إذ إننا نعجز عن درك الناحية الإثباتية لهذه المعاني في ذات اللَّه و صفاته، لأننا، لا نحيط بها علماً.

أجل إنه لو سُلِب عن ذاته و صفات ذات المادة و اللّامادة و صفاتها- إذاً كان مسلوب الوجود إطلاقاً- إيفقد حينئذ و صى الموجود: «الازلية و الحدوث».

تنزيه الآله في إطارات ثلاث:

الصفات السلبية في مراحل ثلاث:

______________________________

 (1)-/ البحار العلامة المجلسي ج 3 الطبعة الحديثة ص 320 جع عن ابن الحنيفة عن أمير المؤمنين (ع)

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 98

1- فنحن نسبحَّه و نُنزّهه تعالى‏ ذوات الكائنات و صفاتهم- و: «ليس كمثله شي‏ءٌ و هو السميع البصير».

و في هذا الإطار تصبح كافة الكائنات الحادثة من صفاته السلبية.

2- و نسبّحه و نَصِفه كما وصف به نفسه، دون أن نختلق له أسماء و صفات كما نريد:

 «فسبحان اللَّه عما يصفون إلا عباد اللَّه المخلصين» 37: 160 فإنهم لا يصفونه تعالى‏ إلا بما وصف به نفسه، كما أنزل في كتابه الحكيم على نبيّه الكريم: «فللّه الأسماء الحسنى فادعوه بها و ذَرِ الذين يُلحدونَ في أسمائه سيجزون ما كانوا يعلمون» 7: 180.

3- و نسبّحه عن تفسير أسمائه الحسنى و صفاته العليا بالمعاني التي نعرفها و نتصِّف بها، فلا نعني من أنه تعالى‏: عليمٌ قديرٌ حيٌّ: ما نعيه من مفاهيم و معاني فينا- بل: أنه لا يجهل و لا يعجز و لا يموت: و لا من أنه تعالى‏ سميع بصير: أنه يسمع بأذُن و آلة أو يُبصر بعين ...

 «فَسْبح بِحمد رَبّك و كُن مِن السَّاجدين» 15: 98 «فَسبح بِاسم ربّك العظيم» 56: 74 «سَبِّح اسم رَبّك الاعلى‏» 87: 1.

و لا يعني تسبيح الحمد و الاسم، إلا تنزيه تعالى‏:

1- عن إختلاق أسماء و صفات له غير ما سُمي و وَصَف به نفسه.

2- أن تعني من أسمائه مثل ما نعنيه من مفاهيم: مفاهيم وجودية كما هي لنا من الوجود و العلم.

3- أن نفسر أسمائه بكل ما تحمل من معاني، مهما كانت لا تناسب و قدسية ذاته تعالى‏: كالسمع و البصر و اليد و الرِجل.

4- أن نشبِّهه بخلقه، مهما كان التشبيه لطيفاً في أدق معانيه.

إذاً فنحن لا نعني منه تعالى‏ و لا يحق لنا أن نعني- إلَّا: أنه ليس كمثله شي‏ءٌ

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 99

هذا الإله!

فهذا الإله كنهه في غاية الخفاء و الحجاب، خفيُّ بالذات و ظاهرُ بالآيات فلا ظاهر بالآثار أظهر منه، و لا خفيَّ بالذات أخفى منه «عميت عينٌ لا تراك، ألغيرك من الظهور ما ليس لك؟ أفي اللَّه شك فاطر السماوات والارض» و الكون محرابٌ تسجد فيه الكائنات لربها!

يقول روبرت موريس بيج، عالم الطبيعة «1» «... و لا بدلنا ان نسلم فوق ذلك بما يسلَّم به الكثيرون. من أن قدرتنا على الملاحظة لا تستطيع أن تمتد الغير جزءٍ ضئيل نسبياً من الحقيقة الكلية، فالإله الذي نسلم بوحدة لا ينتمي إلى عالم الماديات و لا تستطيع حواسنا المحدودة آن تدركه، و على ذلك فمن العبث أن نحاول إثبات وجوده باستخدام العلوم الطبيعية، لأنه يشغل دائرة غير دائرتها المحدودة الضيقة.

فإذا لم يكن للإله وجود مادي فلابد أن يكون ذلك الإله روحانياً «2» أو هو يوجد في عالم من الحقيقة غير ذلك العالم الفيزيقي على أية حال.

و بذلك فإنه لا يمكن أن تَحدَّه تلك الأبعاد الثلاثة، أو أن يكون خاضعاً لقيود الزمان التي نعرفها، و لا بدلنا أن نسلِّم أن هذا الكون المادي الذي يخضع لقيود الزمان و المكان ليس إلا جزءً يسيراً من الحقية الكبري التي ينطوي عليها هذا الوجود ...»

و يقول ميرث ستانلي كونجدن، العالم الطبيعي و الفيلسوف: «و مما لا شك فيه أننا نحتاج في محاولتنا لوصف الخالق و معرفة صفاته إلى مصطلحات و معانٍ تختلف‏

______________________________

 (1)-/ حاصل على دكتوراه في العلوم من جامعة هاملين، كان أول من اكتشفالرادار في العلم سنة 1934، سجل نحو 37 بحثاً معظمما في الرادار، ألف كثيراً م الكتب، يعمل في الوقت الحاضر مديراً مساعداً في معاهل البحوث البحوية الاميركية

 (2)-/ اي مجرداً عن المادة لا روحانياً كمثل ارواحنا

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 100

إختلافاً بيّناً عن تلك التي نستخدمها عند ما نصف عالم المادات، فالصفات المادية و التفسيرات الميكانيكية التي تقوم على نظريات السلوكيين- تعجز عن أن تعيننا عن تحقيق هذه الغاية، و بخاصة بعد أن تبين لنا: أن هذا الكون الذي نعيش فيه لا يمكن أن يكون مادةً صرفاً، و إنما هو مادة و روح، أو مادة و غير ماده، و لا نستطيع أن نصف الأشياء غير المادية بالأوصاف المادية وحدها.

... فلو لم يكن هذا الكون ثنائياً لا ستعطنا أن نعرف الفكرة تعريفاً مادياً صرفاً، و هو ما لم يحدث أبداً و النظريات المادية التي قدمها ديموقريطس، و هوبر، و السلوكيون، و كذلك النظريات المثالية الصرف التي تفسِّر هذا الكون تفسيراً معنوياً خالصاً، و السلوكيون، كذلك النظريات المثالية الصرف التي تفسِّر هذا الكون تفسيراً معنوياً خالصاً ممّا قدّمه ليبنز، وبير كلي، و هيجل، نقول: إن هذه النظريات الإلحادية جميعاً لا تعدو أن تكون مجرد إفتراضات تقوم على التخمين و لا تستند الى أيّ أساس من الوجهة التخريبية ...

إن جميع ما في الكون يشهد على وجود اللَّه سبحانه و يدل على قدرته و عظمته، و عندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون و دراستها- حق باستخدام الطريقة الإستدلالية، فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار ايادي اللَّه و عظمته.

ذلك هو اللَّه الذي لا نستطيع أن نصل إليه بالوسائل العلمية المادية وحدها و لكننا نرى آياته في انفسنا و في كل ذرّة من ذرات هذا الوجود، و ليست العلوم إلا دراسة خلق اللَّه و آثار قدرته».

... «سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم ...»

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 101

 

المادة او اللَّه؟!

المادي‏: أيها أظهر؟ اللَّه أو المادة؟: الظاهرة بالذات و بالآيات، إذاً فهي أحرى بالألوهية و الأزلية.

الإلهي‏: إلي هنا كنا نبحث على فرض حدوث الكون، و عليه فالكون الحادث كيف يستطيع أن يكون إله نفسه، أو مستغنياً عن الخالق؟!

المادي‏: إذاً فلماذا لا يظهر ذاته لكي لا ينكره خلقه و يرتفع الخلاف من البين؟. فهل لا يستطيع أن يظهر؟ إذاً فهو عاجزٌ! أم يستطيع و يبخل؟ فماذا عن الخلق إذاً ألا يعرفوه لأنه لم يعرِّفهم ذاته؟.

المحال في جنب القدرة اللّانهائية:

الإلهي‏: إنه تعالى‏ قادر و لا يبخل، و ليس خفاء الذات لقصورها عن الظهور- إنما هو القصور عقولنا و حواسنا عن دركه و اكتناه ذاته- فمحالٌ أن نحسه لأنه ليس بمحسوب- و لا أن نعقله فإن ليس بمحدود- و المحال لا تتعلق به القدرة مهما كانت إلهية- لا لنقصٍ في القدرة بل للإستحالة الذاتية في المفروض أنه محال.

و هذه خرافة من القول و زورٌ: أن المحال لا يستحيل في جنب القدرة اللّانهائية، فاننا لا نتكم عن حال النسب حتى يمكن أحياناً و يستحيل أُخرى، و إنما نبحث عن المحال الذاتي- فهو محالٌ مهما كانت القدرة لا نهائية- إذ إن القدرة إنما تتعلق بالممكن- فلو تعلق بأمر مّا- كان هذا برهاناً ساطعاً على إمكانه الذاتي، و هو خروج عن فرض الإستحالة!

فالأمور التالية و ما إليها- هذه من المحالات الذاتية التي لا تتعلق بها القدرة إطلاقاً:

المحالات الذاتية:

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 102

1- الجمع بين النقيضين. 2- كون الشي‏ء قبل نفسه.

3- خلق الشي‏ء نفسه 4- كون الشي‏ء واحداً و كثيراً لحالة واحدة

5- احساس غير المحسوس. 6- انعدام الازلي أو إعدامه نفسه.

7- خلق الشريك اللَّه تعالى‏ و ..

فكل هذه الموارد و هذه أمثالها ترجع إلى اجتماع النقيضين أو إرتفاعها و هو محال ذاتياً.

لذلك ترى الإمام الصادق عليه السلام إذ يسأله الزنديق: أليس هو قادراً أن يظهر لهم حتى يروه و يعرفوه فيُعبد على يقين؟ يجيبه كلمة واحدة.

ليس للمحال جواب‏ «1»

يعني بذلك: أن المحال ليس شيئاً يُذكر و يسأل عنه.

و عنه عليه السلام قال: قيل لأمير المؤمنين على عليه السلام هل يقدر ربك أن يدخل الدنى في بيضة من غير أن تصغر الدنيا أو تكبر البيضة؟ قال: إن اللَّه تبارك و تعالى‏ لا يُنسب إلى العجز و الذي سألته لا يكون‏ «2».

و هناك روايات أُخرى توهم بادى‏ء الرأي: بإمكان هكذا محال في جنب القدرة الإلهية:

1- «ان ابليس يقول للمسيح عليه السلام: أيقدر ربك على أن يدخل الأرض في بيضة: لا تصغر الارض و لا تكبر البيضة؟ فقال المسيح عليه السلام: و يلك إن اللَّه لا يوصف بعجز من أقدر ممن يلطِّف الأرض و يعظم البيضة؟» «3»

______________________________

 (1)-/ البحار ج 10 ص 310

 (2)-/ نور الثقلين ج 1 ص 32 عن التوحيد بإسناده إلى عمر بن اذنية عنه عليه السلام‏

 (3)-/ نفس المصدر بإسناده الى ابن أبي عمير عمن ذكره عن ابيعبد اللَّه عليه السلام عن المسيح عليه السلام‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 103

2- «سأل رجلٌ أمير المؤمنين عليه السلام: أيقدر اللَّه أن يُدخل الأرض في بيضة و لا تصغر الارض و لا تكبر البيضة؟ فقال عليه السلام: و يلك إن اللَّه لا يوصف بالعجز، و من أقدر ممن يُلطِّف الأرض و يُعظمّ البيضة؟» «1».

و السيد المسيح و الإمام أمير المؤمنين على عليها السلام- إنما يجيبان هنا عن الحالة الممكنة من إدخال في البيضة- و هو تلطيف الأرض برفع الخلل و الفواصل عن أجزائها إلى الحد الممكن و دمج أجزائها دمجاً تاماً- ثم إدخالها في البيضة، دون أن تكبر البيضة حجماً و إن عظمت ثقلًا، فالحجم هو الحجم في البيضة و الثقل ثقل الأرض.

فهناك صورةٌ ممكنة و أُخرى مستحيلة: فالممكنة هي تلطيف الأرض بتصغير حجمها إلى حيث تضمنها البيضة، و تثقيل وزن البيضة بإدخال الارض فيها مع بقاء حجم البيضة.

و أما المستحيلة فهي إدخال الأرض على حجمها في البيضة مع بقاء البيضة بحجمها أو و ثقلها- فإن في ذلك جمعاً بين المتناقضين- و جوابه: ليس للمحال جوابٌ و الذي سألته لا يكون و إن كان اللَّه قديراً على كل شي‏ءٍ»

و على هذا يُحمل المعني من قول الرضا و الصادق عليها السلام في الجواب عن هكذا سئوال- حيث قال: «نعم! و في أصغر من البيضة- و قد جعلها في عينك و هو أقل من البيضة، لانك إذا فتحتها عاينت السماء و الأرض و ما بينهما، فلو شاه لأعماك عنها» «2».

و من البديهي أن اسماء و الارض- حينما ينظر الإنسان إليهما- لا يدخلان بذاتيهما في العين- و لا بصورتيهما المساوية لحجمها، و إنما تنعكس صورةٌ منها في العدسية العينية- و هذا تلطيف للحجم- و الصورة هي الصورة، و كذلك الأرض بإمكانها أن‏

______________________________

 (1)-/ نفس المصدر بإسناده الى ابان بن عثمان عن ابيعبد اللَّه عليه السلام عنه عليه السلام‏

 (2)-/ نور الثقلين ج س 33 عن التوحيد بإسناده الى أحمد بن محمد بن ابي نصر قال رجاء رجل ال ابي الرضا عليه السلام.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 104

تدخل في البيضة بشرط تلطيفها بأن يصغر الحجم و لكن الصورة هي الصورة و الثقل هو الثقل- تأمل.

هل ان وجود الخالق يستلزم الايمان به‏

المادي‏: و على فرض أن هناك خالقاً مجرداً عن المادة، فنحن لا نرى الايمان به حتماً علينا و لا أ» راً راجحاً، إذ ذن الايمان بهكذا مبدء: قيد و أَسرُ و خروج عن الحرّية إلى أسر العبودية، إذاً فأحرى بنا أن ننكر وجوده أو أن وجوده لا يملى علينا الإيمان به.

الإلهي‏: أجل: إن مجرد الاقتناع بوجود اللَّه لا يجعل الانسان مؤمناً، فبعض الناس يخشون من القيود التي يفرضها الإعتراف بوجود اللَّه على حريتهم، فإن الإيمان قيدٌ و لكنه يد الفتك، قيدٌ يضمن حرية الإنسان عن أسر الهوى و يُنير الدرب لمن يدّق أبواب الفلاح و الهدى، فليس كلّ قيد مما يجب أو يصحّ ان يُتحلل عنه، إذ إن الانسان في قيد، مهما كان قيد العقل أو الهوى، و «إنارة العقل مكسوف بطوع الهوى».

و لا سبيل لتحلُّل الانسان عن قيود الهوى الجارفة المردية، و أخطائه المتواصلة المادية العقلية، و لا لتقدمه في مختلف المجالات الحيوية: عقلية و مادية، إلا سلوك سبيل اللَّه، حيث يديهنا سُبل النجا، دون أن يريد منا ما بنفعه و حاشاه! فإن اللَّه غني عنّا و لا يرضى لعباده الكفر، و إنما يريد منّا و لنا الخير ليس إلّا،

أجل: فإذا كنا نريد أن تبقى الحياة الأرقى، محافظة على ما عُرف عنها من سُمو- فإننا بحاجة ماسة إلى توحيد مقدس .. فالأحزان و الكوارث التاريخية تثبت لنا: أن الأخلاق و الحق و العدالة و الرحمة و الحرية، هذه فقد تفقد معانيها و تؤدي إلى حياة ذليلة خسيسة ما لم تكن متصلة بايمان عملي!.

المادية و النازية اللادينية:

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 105

ففي دركات المادية و النازليه اللادينية و النزعات الإلحادية، ضاعت المواهب التي حبا اللَّه بها الإنسان، و تلطخت بالأوحال و الأحوال الساقطة الشريرة.

إن الإنسان لا يستطيع أن يكون حراً أو أن يعيش معيشة إنسانيتة إلا في عالم يقوم على الأخلاق و على تحمُّل المسؤوليات تجاه الإنسانية و الإنسان، فالناس متساوون و أحرار، لا لشي‏ءٍ: إلا لأنهم عباد اللَّه، اي لم تقم المساواة بينهم إلا بوصفهم عباد اللَّه على سواءٍ، فهي مساواة من وجهة نظر اللَّه، إلا من هو أتقى و أرقى في العبودية: «يا أيها الناس إنّا خَلقناكم مِن ذَكر و أُنثى و جَعلناكم شعوباً و قبائلَ لِتعارَفوا إن أكرَمَكم عِند اللَّه اتقاكم» الحجرات: 12.

فإذا أنكر وجود اللَّه و انكر القانون الأخلاقي فلا سبيل إلى انكار الإستعباد و لا إلى محاربة المبدء الذي يرى: أن القوة هي الحق، أو إلى محاربة الجشع و استغلال البشر.

و إذا لم يكن لدى الناس قِيَمٌ داخلية، فأنَّي تكون لهم حرية اختيار مطلقة تنبعث من النفس أو واجب مطلق، إن ذلك يؤدي إلى فهم هذه القيم فهما سطحياً، و إلى إمكان استخدامها لتحقيق الأثرة و التوسع في الصالح الشخصي، كاستخدام الآلة و الرقيق في أيدي ذوي السلطان.

إن الحقوق التي أعطاها اللَّه للإنسان لا يستطيع أن يستردّها سواه، أما الحقوق التي يعطيها الإنسان لدخيه الإنسان، أو تعطيها له إحدى المؤسسات التي صنعاه البشر، فليس من العسير إنكارها أو إستردادها، فإذا لم تكن حقوقنا الثابتة صادرة عن المصدر الأعظم:

عن الخالق، فمن الجهل و الحماقة أن نظن: أن للبشر حقوقاً لا يستطيع إنسان أو مؤسسة من المؤسسات التي صنعها الناس أن يتغافلها أو ينكرها، و على ذلك فإنه ليس للإنسان:

الحق في أن يدعي أن له قيمة داخلية أو كرامة أو حقوقاً او واجبات مطلقة أو مسؤوليات إلا بوصفه مخلوقاً من مخلوقات اللَّه تعالى‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 106

و أعود أنا فأقول: هل الأخوة بين الناس اتفاق ماديُّ يقوم على أساس: أن القوة وحدها هي التي تُحدَّد سلوك الأفراد و الجماعات، أم إن هذه الأخوة ترجع إلى إشتراكنا في عبودية اللَّه؟ و أي المصدرين يهيى‏ء لنا بقاءً أطول و دواماً أدوم؟ و هل ترجع حريتنا إلى حرية الروح، حرية اتخاذ القرارات و حرية العقل؟ أم إنها مجرّد إتفاق مادي له صبغة إجتماعية؟ و كيف يمكن أن يستمع الإنسان بالحرية إذا كان يُنظر اليه على أنه عبد من عبيد الدولة؟ ... افعبادة اللَّه الحيّ القيومالغني أحرى، أم عبادة للعباد الفقراء المحتاجين؟

مع العلم أننا لا نستطيع ان تحلل عن كافة ألوان العبادة، إذ إن الانسان، كائناً من كان، ليس بالذي لا يحتاج إلى سواه، و هذه الحاجة كيفما كانت، هي عبودية و تذلّل لمن يحتاج إليه، إذاً فهل من الأحرى أن نعبد من خَلَقنا و رَزقنا و هو غني عنا و يهدينا الى سواء الصراط، دون زلل و خطَل؟ أو أن نعبد من هم كامثالنا أو ادون، و هم محتاجون- مهما كانوا اغنياء و اقوياء- او ان نعبد اهواءنا او أهواء سوانا؟! ..

... فعندما ينعدم الإعتقاد و بوجود القيم الداخلية و في كرامة الفرد، تظهر الكوارث الأخلاقية، و تعمّ الوحشية، و تجد لها مسوغات في فكرة الأجناس الراقية، أو الأجناس الممتازة، و في فكرة: أن صالح الدولة هو الغاية التي ليس وراءها غاية، و في مبدء:

 «الغاية تبرّر الوسيلة» .. و لقد كان هذا هو الأسلوب الذي استخدم في «نورنبرج» و إلّا فكيف اعُتيبِر زعماء النازيين و دكتاتورّ يوهم- ممن كانوا مسئولين عن جميع التصرفات الوحشية- نقول: كيف اعتبروا مذنبين فجِّهت إليهم الإتهامات و تبثت إدانتهم، و لم يكونوا في كل ما قاموا به من هذه الأعمال المزرية إلا منفِّذين لأوامر سادتهم و قوانين النازيين و مبادئهم؟

إنهم لا يمكن أن توجَّه اليهم الإتهامات و يُدانوا إلا في ظل القانون الإلهي الأبدي الذي يطلق عليه اسم «مبادي الإنسانية».

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 107

و لو كانت القوانين الوضعية هي المصدر الوحيد لحقوق الإنسان، فعلى ايّ أساس نستطيع أن ندين النازين على إضطهادهم الاجناس كالفجر و البولنديين و اعدائهم السياسيين؟ و على أيّ دساس نستطيع أن ندين مالقيه الوطنيون المجريون المجاهدون من اضطهادات!

لقد أهدر النازيون حقوق غيرهم و لم يعتبروا أن للبشر حقوقاً، و أن للاضطهاد حدوداً، فإذ كان هنالك حقوق ثابتة للناس- فمن الذي تثبَّت هذه الحقوق؟ و اذا لم يكن الإنسان قد خسلق، فكيف يستطيع أن يدعي: أنه هو الذي خلق العزة و الكرامة و الحقوق الواجبات و حرية الإرادة و التحرر؟

.. إننا نجد في الحياة الأمريكية المعاصرة كثيراً من الأدلة على أن الديموقراطية الأمريكية قد وهنت و زلزلت أركانها بسبب سيرها في الإتجاه الماد، و ابتعادها عن الأساس الديني و الروحي، و هناك محاولات في العالم الغربي للعمل على صيانة حقوق الإنسان بعد نُكران أصلها المقدس، و لكن هذه الحقوق التي هي رصيد روحي و ثمرة من ثمار الدين في العهود الماضية، لا يمكن أن تبقى إذا اقتلعت جذورها و اجتثَّت من فوق الارض او شُوَّهت أعضاؤها و ضاعت معالها، أو لم يعنِ أحد بزراعتها أو غرسها.

المزايا الخالدة للإعتقاد بوجود اللَّه:

و للإعتقاد بوجود اللَّه مزاياه الخالدة، و هناك ثلاثة أسباب تحملنا على الإعتقاد بأن الايمان باللَّه لا يضيع أبداً، فمن ذلك:

أولًا: أن النظام التربو الذي يناسب كلّ الناس في سائر الأزمان، يقوم على الإيمان.

و النظام التربوي الذي يقوم على الفلسفة الطبيعية و يستهدف الصحة و المتعة، فإنه لا يناسب ذوى الأمراض المزمنة التي لا تبرأ، و لا يناسب المشوَّهين أو المرضى الذين فقدوا الأمل في الشفاء.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 108

و النظام التربوي الذي على الفلسفة البرجماتية، لا يناسب غير القولعليه و غير المهيئين له.

و التربية التي تقوم على الفلسفة الإنسانية لا تناسب من لديهم إستعدادات ميكانيكية ...

و أما التلعيم الذي يقوم على الإيمان باللَّه فإنه يناسب سائر البشر، على إختلافهم في الكيات، و في الأسواق، و في البيوت وافي المستشفيات و في الأحياء الفقيرة و السجون و المعارك.

إن الإيمان باللَّه يولِّد قوةً تضمن لصاحبها ألّا يحيق به ضرر مطلق- و أنه يُطمَئِن القلوب بما تعتمد و تتكل عليه و ترجو الزلفى لديه: «ألا بِذِكر اللَّه تطمئنُّ القلوب» و لا يطمئن القلب أبداً بما سوى اللَّه لأنها على سواء في الحاجة و الإضطراب- و أن سبيلها إلى الفناء.

إن الدين من الوجهة البيولوجية يمكن تعريفه بأنه عبادة الإنسان لقوةُ عليا لا نهاية لها، نتيجةً لشعوره بحاجةٍ في قرارة نفسه إلى هذه القوة.

ثانياً: إن الإعتقاد في وجود اللَّه ضروري لا كمال معني الحياة و الكون. و لا شك أن العقلاء من الناس سوف يبحوث دائماً عن هذا المعنى.

ثالثاً: بصرف النظر عن الهجمات المتكررة التي تشُنُّها العقول الضالة المرتكبة- أو العقول المكفرة، فإن الأطفال سوف يؤكدون في المستقبل ما شاء لهم أن يولدوا، و سوف يخضعون في تكوين عقولهم لنفس القوانين التي خضعت لها العقول، عندما تكونت في الماضي، مادام هنالك تفاعل بين العقل و الخبرة الحسية، و ما دام الكون يخضع لنفس القوانين التي خضع لها في الماضي، و سوف يستمر العقل الناضج في استجابته لمبادي‏ء القانون الطبيعيي و التفكير السوي، إلّا إذا حيل بينه و بين السير في هذا الطريق الطبيعي،

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 109

بأن وُضعت العوائق في سبيله أو ضُلّ عن السبيل، و ان عقول الغالبية العظمى‏ من البشر قد سارت في طريقها غير منحرفة عن المبادي‏ء الأساسية التي تقوم عليها القوانين التي تتحكم في الطبيعة و سائر وظائفها، لقد ذهبت هذه العقول تبحث فيما وراء الوقائع المباشرة التي يدركها الحسّ لعلها تعرف «السبب» و تكشف عن «الحقيقة» و قد وصلت إلى الاعتقاد بوجود اللَّه.

و من أجل ذلك يحق لنا أن نستبشر خيراً «فأمَّا الزّيدُ فيذهبُ جفاءً و أمّا ما ينفعُ النَّاس فيمكثُ في الأرض» «بل نقذِفُ بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهقٌ و لكمُ الويل ممّا تصفون»

و ما من بقاءٍ إلّا للأشياء الملائمة التي ينتفع بها الناس جميعاً، و لذلك فإن الإيمان باللَّه قد بقي عالياً خفّاقاً على ممرِّ الأجيال، و سوف تستمر عالية خفاقة كلما ولد الطفل بما حباه اللَّه من الفطرة السليمة، لو لم تظلم عليها ظلمات الإلحاد و الادية ف «كل مولودٍ يولد على الفطرة»: فطرة التوحيد.

و كما قال ماكس بلانك العالم الطبيعى الذي فتح الطريق إلى أسرار الذرة: إن الدين و العلوم الطبيعية يقاتلان معاً في معركة مشتركة ضدِّ الشكِّ و الجحود و الخرافة، و لقد كانت الصيحة الجامعة في هذه الحرب و سوف تكون دائماً إلى اللَّه‏ «1».

خرافة ازلية المادة

العلوم العقلية و التجريبية تحليل أزلية المادة.

الأزلية و الحدوث في بحوث.

______________________________

 (1)-/ ان الكثير من هذه العبارات مقتبسة من: اندروكونواي ايفي العالم الفسيولوجي و قد اسلفنا التعريف به في اول الكتاب‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 110

المادة في مختلف بيئآتها.

خرافة ازلية المادة:

المادي‏: إلى هنا كنا نتماشى معكم: الالهيين، في فرض حدوث الكون تماماً- في ذاته و أطواره- إلا أن النظرية الأصلية المادية- التي لامراء فيها: أن المادة أزلية الذات، ثم الحوادث الطائرة عليها تحدث نتيجةً للحركة و الطاقة الكامنة فيها، التي عملت على إنبثاق هذه الصوَر و الماهيات المختلفة المتعاقبة المتواردة على المادة- في طول العالم و عرضه-

إذاً فالمادة خالقة و مخلوقة، خالقة أزلية في جوهر ذاتها، نعني المادة الأولية، و حادثة مخولقة في تطوراتها، فهي إذاً إلى خالق يخلقها، كما أن الخالق المجرد عن المادة في العقيدة المتافيزيقية- ليس له خالق- سواء! .. و إنما هي خالقة من الجة الذاتية- و مخلوقة من حيث التطورات العارضة لها، و لا خالق لهذه التطورات إلا نفس المادة بما فيها من القوّات الجبارة!.

الإلهي‏: دعوى أزلية المادة هكذا- هذه مما لا يساعدها أي برهان- لا عقلياً مجرداً، و لا حسيّاً تجريبياً- إلا توهماً و ظناً: لا يملك أيّاً من مقومات الفلسفات إطلاقاً.

 «و قالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت و نحيى و ما يهلكنا إلا الدهر» (45: 24)

أجل، و إن مقالات الماديين المنكرين لما ورائها- إنها لا تملك أيّة برهنة، مهما كانت ضئيلة، إلّا دعاوي و دعايات و خرافات يزخرفون بها خرافة أصالة المادة البسطاء!

أيهما أزلى: المادة أو اللَّه؟

و نحن نتسائلكم في هذه الدعوى كالتالى: هل إنكم وجدتهم أزلية المادة بالإحساس المادي و على ضوء العلوم التجريبية، إذ كنتم من الأزل اللّاأول فالفيتموها أزلية كأنفسكم- سواء؟!

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 111

أم إن آثار المادة و خواصها هي التي تدلُّكم على أزليتها؟.

المادي‏: نعكس السؤال هكذا: هل إنكم وجدتم حدوث المادة، إذ كنتم حين حدثت؟.

و لذلك تحكمون بحدوثها فتتخلقون كأئناً مجرداً عنها وراءها، زعمَ أنه الخالق لها؟.

الإلهي‏: إننّا و إياكم في عدم الوجدان الذاتي لأزلية المادة أو حدوثها- على سواء- إذ كما أنكم لم تكونوا من الأزل اللّاأول حتى تدركوا أزيتها- كذلك نحن لم نكن حيث حدثت- سواء.

فالدلالة الذاتية منفية عن المادة إطلاقاً: سواءً أكانت على الأزلية أو على الحدوث، نعني من الذاتية: إدراك الأزلية أو الحدوث فيها، بنفس الأزلية و الحدوث: وجداناً ملموساً.

و إنما نفترق في آثار المادة: هل إنها تدلنا على أزليتها؟ أم على حدوثها؟ أم لا هكذا و لا ذاك؟

لا سبيل إلى الثالث- إذ إنّ لكل منهما آثاراً تخصُّه- دون أن يشتركا في أثرٍ مّا- إطلاقاً- قضيةَ المناقضة بينهما في الذات و في الآثار.

إذاً نسألكم: لو كانت المادة حادثة، كيف كان يجب أن تكون آثارها و بيئآتها التي لا تجدونها الآن؟.

و ان كان الإله المجرد الأزلي موجوداً- كيف كان يجب أن تكون المادة- ليست هي الآن؟.

المادي‏: نعكس السؤال: لو كانت المادة أزلية و الإله المجرد غير موجود- كيف كان يجب أن تكون المادة- ليست هي الآن؟.

الإلهي‏: لو كانت أزلية لحملت أوصاف الأزلية، و لكنها حادثة إذ تعتورة كافة آثار الحدوث!.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 112

نكرِّر السؤال بصيغة أُخرى: هل تجدون شيئاً من آثار الحدوث: يفقدها المادة، أم تجدون شيئاً من آثار الأزلية تتصف هي بها؟.

ذاتية الازلية و عارضية الحدوث! ..

المادي‏: لا يجد شيئاً من آثار الحدوث إلّا و هي تعتور المادة، و لكنه يُغالط في الإجابة عن هذا السؤال، و يرجع إلى مبدئه الأول قائلاض: إن المادة ذاتية الأزلية و عارضية الحدوث، و ليست آثار الحدوث العتورة بها، إلّا للناحية الحادثة منها: و هي التطورات العارضة عليها.

الإلهي‏: هل إنها لو كانت حادثة الذات- لم تكن هذه العوارض تعرضها- بل كانت ثابتة؟. أم كانت كما هي الآن؟.

المادي‏: لا بدّ لنا- قبل أن نسبر أغوار هذه الآثار- أن ندرس درساً فصلًا عن كلٍّ من آثار الأزلية و الحدوث- لكي نكون على بصيرة من أمرنا.

الازلية و الحدوث في بحوث‏

الإلهي‏: و إليكم درساً فصلًا عن خصائص كل منهما، لكي لا يخلط الدمر فيها طوال حوارنا حول: «المادة أو اللَّه»؟.

الخصيصة الاولى للازلي:

الغنى المطلق في الذات و في الصفات:

إنّ الكائن الأزلي بما أنه لا أول له- فلا حدوث- إذاً فهو غنيّ عن سواه، مهما كان أزلياً، لو أمكن التعدد في الازلية، فضلًا عن الحادث!.

فالازلي غنيِّ مطلق- لا ينتفع بشي‏ء ليستكل به- لا من ذاته لأنه الكلال المطلق: غنيٌّ في ذاته و صفاته و أفعاله- غنىً مطلقة- دون أيَّة حاجة للسعي نحو الكمال، و إن كانت‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 113

بقدرته الذاتية.

و السند في غناه الذاتي من حيث الكيان- أنه غير متعلق الذات إلى سواه- لا مقارناً و لا متأخراً، فإن التعلق الذاتي الى الغير من خصائص الحدوث- مهما كان-

ثم الغنى الذاتية تستلزم الغنى في صفات الذات، التي هي عين الذات في الأزلي فانه منزَّه عن التركُّب من ذات او ذوات و صفات- لاستلزام التركّب الحدوث- مهما كان-

و كذلك- و بالأحرى- غناه في أفعاله، إذ إنها متفرعة على الذات و الصفات فلا انفكاك بى‏الأزلية و الغنى في الذات- و بينهما في الصفات و الافعال، غنىّ مطلقة في كافة الجهات و الحيثيات.

فالازليٌّ الذات أزليٌ إطلاقاً، دون أن يحمل في ذاته أو صفاته جهةً مَّا حادثة قضيةً المناقضة بين الأزلية و الحدوث.

فمن المستحيل أن يكون أزليّاً في ذاته و حادثاً في صفاته- أم أزليَّاً في صفاته و حادثاً في ذاته- و أما أفعال الازليَّ فإنها حادثة، و لا يُنافي حدوثُها أزليةً في الذات و الصفات، لأنها تصدر عنه بارادته دون أن تشغل جانباً من ذاته أو صفاته، و ليس صدور الحادث من الأزلي جمعاً بين الأزلية و الحوث في ذات واحدة و لا صفاتها لأنه صدورٌ بإرادته لا ولادةٌ من ذاته.

و من المستحيل أيضاً أن يحتاج الأزلي في أفعاله إلى سواء، أحاجةً في الفرع الحادث رغمَ الغني في الذات و في الصفات، حال أن الأفعال إنما تصدر بالطاقة الكامنة في الذات التي تسمّى بالإرادة؟!

و مما يترتب على خاصة الغنى المطلق للأزلي:

أولًا: أنه لا يتحرك: لا في المكان و لا في المكانة: أما في المكان فلانه ليس له مكان يشتغله:

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 114

1- نتيجة الغنى المطلق عن سواه.

2- أنه لا حدّ له حتى يضمنه المكان.

3- أن الحركة في المكان ليس الّا نحو هدفٍ مّا، لا يحصل إلّا بالانتقال اليه:

و الغنيُّ المطلق، ذو القدرة المطلقة اللانهائية، يفعل ما يشاء، دون حاجة إلى الإنتقال، فإنه قيّوم على كل شي‏ءٍ، و علمه و قدرَته يحيطان بكل معلوم و مقدور، دون حاجة إلى الحراك نحوهما: «و انما امره اذا اراد شيئاً ان يقول له كن فيكون».

و أما الحركة في المكانة و الكمال، المعبّر عنها بالحركة الجوهرية، فهذه أيضاً تتنافى و الغنى المطلقة، فإن الأزلي فعليُّ الكمالات بما أنه أزليّ الذات و الصفات، فكيف ينحو نحو الكمال، ألتحصيل ما هو واجده أزلًا؟ أو ما لم يجده؟ فهذا بين محالٍ و بين نقص يتنافى و الغنى المطلقة اللانهائية.

ثانياً: أن الأزلي لا يتغير- لعين ما ذكر في استحالة الحركة.

ثالثاً: أنه غير مركب، مهما كان التركب: في الذات، أم فيها مع الصفات، تجردّ يا ام مادّياً، فلا تركّب في الأزلي إطلاقاً، لأنه آية الفقر و الحدوث كما يأتي في ظاهرة التركب للمادة، و أنها من الأدلة الذاتية في المادة على حدوثها.

الخصيصة الثانية: السرمدية.

إن الأزلية الأبدية، و يعبَّر عن التلاحم بينهما بالسرمدية اللّاحدِّية على الإطلاق، أولًا و أخيراً، فليس للسرمديِّ أيُّ حدٍّمن حدود المكان أو الزمان، في الذات أو الصفات، فهو اللّامحدود: اللّابدائي و اللّانهائي الحقيقيان.

فالفروض المتصورة لاتصاف الكائن بالأزلية و الأبدية، ايجاباً و سلباً، كالتالي:

1- ازليٌ و ابديٌّ.

2- ازليّ لا ابدي، فله نهاية.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 115

3- أبدي لا ازلي، فله بداية.

4- لا ازلى و لا ابدي.

و هذه الفروض بين ضروري و محال و ممكن:

فمن الممكن أن تجامع الابديةُ الإبتداء و الحدوث، فانها أبدية بالغير كابتدائه، و هكذا كائنٍ حادثٌ، دون غنىً للكائن الحادث في شي‏ء منهما، و هذا كما قد نصدقه في الابدية الفلسفية في خلود جنة الآخرة، إذ إن الخالدين فيها لهم فيها نعيم مقيمٌ: عطاء غير مجذوذ، حال أنّ لهم و لدخولهم الجنة بداية.

هذا، و لكن لا عكس، إذ يستحيل أن يكون الازليّ غير أبديّ لما يلي:

1- أنه غنيُّ الذات عن سواه، و له القدرة المطلقة اللّامحدودة، فلماذا ينعدم؟:

ألضعف يطرء ذاته؟ فهذا يتنافى و غناه و قدرته المطلقتين الذاتيتين غير الكسبيتين! أم لقوة قاهرة تتغلّب عليه فتضطره إلى الفناء؟ فلا ثاني للأزلي، كما يأتي، و لا يتصور فوق اللانهاية قدرة تتغلب عليها!

2- إذ ليس للأزلي زمانٌ فكيف تتصور له نهاية، و النهاية- مهما كانت: تستلزم الحدّ الزماني.

فلنفرض: أن الأزلي يفنى بعد مليار سنة، أو قبله، فهل إنّ هذه الزيادة و النقيصة تزيد في عمره أو تنقص عنه؟

فإن لا تزيد و لا تنقص، أصبح المليار زيادته كنقيصته و وجوده كعدمه، و هذا خلاف البديهة!

و إن كان المليار يزيد و ينقص، أصبح الأزلي محدوداً، لأن عمره مرّكب من أجزاء الزمان- و المركب من المحدود محدودٌ لا محالة، بداية و نهاية، فليس إذاً أزليّاً.

أبديتان بينهما بون شاسع!

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 116

المادي‏: ما هو الفارق بين الأبديتين: في الازليّ و في الحادث الأبدي؟

الإلهي‏: الفرق بينهما بالذاتية و التجرد في الأوّل، و بالغيرية و المادية في الثاني، و هكذا يكفي في اللامحدودية في الأولى و المحدودية في الثانية، فالأبدية الغيرية المادية الزمانية محدودة من حيث البداية- و بحاجة ذاتية إلى سواها: في البقاء إلى غير النهاية، و لكن الأبدية الذاتية التجردية غير الزمانية، يستحيل لها الحدّ، فإن لازمه المادة و الزمان و الغيرية.

3- انعدام الازلي- بما أنه دليل الضعف و النقصان و محدودية الطاقة الوجودية، و إلا لم ينعدم- هذا يتنافي و غناه المطلقة و كما لَه و قدرتَه اللّامحدودين:

إذاً فالازلية تلازم الأبدية، دون عكس، إلّا في الأبدية الذاتية فإنها أيضاً تلازم الأزلية، فالأزليه ذاتية لا سواها، و الأبدية منها ذاتية و منها غيرية، لا على سواء.

و اللَّه تعالى‏ سرمدي الذات و الصفات، و ما سواه حادث فيهما، و إن كانت له أبدية بالإرادة الإلهية.

و من الخلائق الحادثة بدءً، و الفانية اخيراً، اهلُ العذاب‏ «1» حيث يفنون بفناء النار.

الخصيصة الثالثة: التجرد.

إن الازلي بسيط مجردٌ عن المادة، مهما كانت، إذ:

1- إن السرمدية اللّامحدودية، من ناحة، 2- و الغنى المطلقة من أخرى 3- و عدم الحركة و التغيّر و الزمان من نواحٍ أخرى: هذه الملازمات الضرورية للازلي، تحيل أن يكون ماديّاً، فإن المادة تلازم جوهرياً: نقائص مركبة من هذه الصفات.

______________________________

 (1)-/ لقد حققنا في بحث الخلود في الجنة و النار، انه في الجنة بمعنى اللانهاية، و في النار بمعنى المقام فيها مدة طويلة، ثم الفناء بفناء النار، كما تقتضيه الادلة العقلية و للنقلية، راجع ج 2 المقارنات بين الكتب السماوية في مقارنات المعاد، و قد اختص باسم «عقائدنا حالياً»

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 117

فالمادة فقيرة الذات، كما سنبين، و محدودة مركبة متحركة متغيرة مزانية، و كلُّ هذه من أركان أدلة حدوث المادة، و أنها تنادي من جوهر ذاتها و كافة معطياتها: بالحدوث و الحاجة الذاتية، فكيف بإمكان الأزلي أن يتصف بأوصاف مباينه المناقض له: في الذات و في الصفات.

فكلٌ من الازلي و الحادث خلوٌ من صفات الآخر و ذاتياته، خلو المباين المناقض عن نقيضه.

خصائص الحادث:

إذاً فالحادث، مهما كان، ليس له شي‏ء ممّا للكائن الأزليِّ إطلاقاً: فقداناً للكمال و الغنى المطلقى، كماأن الازليَّ ليس له شي‏ء مما للكائن الحادث، فقداناً للنقص و الفقر.

إذاً فمن المحال أن يحمل أحدهما أيّة خصيصة ذاتية أو وصفية للآخر، و لو في آنٍ مّا.

فإذا أمكن لكائنٍ مّا يحمل شيئاً مما للحادث من صفات أو ذاتيات، دل ذلك على حدوثه و لمبا يحمل، و إذا استحال أن يحمل، دل على أزليته كذلك.

و بالأحرى: محالٌ أن يتبدّل الأزلي حادثاً أو الحادث ازلياً، و كلّ ذلك قضيةَ المناقضة الذاتية بين الأزلية و الحدوث، فلا مشاركة بينهما و لا ثالث بينهما في أيِّ كائن.

استحالة ازلية المادة

إن هذه الخصائص للأزلية، و كذلك بيئة المادة في ذاتها و صفاتها، و العلوم التجريبية:

كل هذه تحيل أزلية المادة، في ذاتها و معطياتها.

و قد سلف: أن علم الكيمياء و الفيزياء و النجوم و سواها من العلوم التجريبية تحيل أزلية المادة، و لا سيما قانون الديناميكا الحرارية، فإنها لا تكتفى باثبات الحدوث في عوارض المادة في تشكلاتها و تبدلاتها، بل و يثبت أيضاً: أنها حادثة الذات.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 118

إذاً فالكون المادي بكافة مجالاته في كافة الفلسفات، يحيل أزلية نفسه دون مراء.

بجمع الطريق و مفرقه:

المادي‏: إلى هنا نتفق معكم في: 1- ضرورية أزلية مّا في الكون. 2- و أن العوارض الطائرة على المادة حادثة.

إلّا إننا نعتقد في: أن تلك العوارض إنما تحدث في المادة في المادة نتيجةَ الطاقة الذاتة الكامنة فيها منذ الأزل، كما الذات ازلية، سواء، و أن حدوث الطوارى‏ء لا يدل على حدوث الذات، كما أنه لا يساوي زمنُ أيّة طارئة على المادة.

الإلهي‏: إن إمكان عروض أيِّ عارض على المادة يدلنا على أنها حادثة، فضلًا عن عروض العوارض عليها تترى، إذ إن الأزلي، كما سلف، لا يحمل و لن يحمل صفة الحادث، كما العكس أيضاً كذلك.

الوحدة السائدة في المادة جذرياً:

المادة في بينتها الذاتية و العارضية

و قبل أن نسبر أغوار البحث عن حدوث المادة بقول فصلٍ، لا بد أن ندرسها: كما وصل إليه لعلم حتى الآن، و لكي نكون على خبرة وافية في البحث عنها.

... إن الفيزياء في دورها الحديث، على ضوء إكتشفاتها في عالم الذرة، كشفت عن حقائق جديدة، لم يكن من الممكن التوصل إليها سابقاً بالطرق العلمية العادية.

فقد استكشفت الفيزياء أكثر من مأة من العناصر البسيطة، التي تتكون منها المادة الأساسية للكون و الطبيعة بصورة عامة، فالعالم و إن بدء لأول نظرة: مجموعة هائلة من الحقائق، و الأنواع المختلفة المتباينة، و لكنه يرجع في التحيل العلمي إلى تلك العناصرف أو و زيادة: لم يكشف عنها العلم حتى الآن.

و قد برهنت الفيزياء الحديثة علمياً: على أن العناصر البسيطة في النظرات القديمة هي‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 119

مؤلفة من ذرات صغيرة و دقيقة، إليحدّ أن المليمتر الواحد من المادة يحتوي على ملايين من تلك الذرات، و الذرة تعني: الجزء الدقيق من العنصر، الذي نزول بانقسامه خصائص ذلك العنصر البسيط.

كيان الذرة:

و الذرات تحتوي على نواة مركزية لها، و على كهارب تدور حول النواة بسرعة هائلة «000، 50 مرة في الثانية».

و هذه الكهارب هي الإكترونات، و الإكترون هو وحدة الشحنة السالبة، كما أن النواة تحتوي على بروتونات و نيوترونات و بوزيترونات، فالبروتونات هي الدقائق الصغيرة، و كل وحدة من وحدتها تحمل شحنةً موجبة، تساوي شحنة الالكترون السالبة، و النيوترونات دقائق أخرى تحتويها النواة، و ليس عليها أيَّة شحنة كهربائية.

و قد لوحظ، على ضوء الإختلاف الواضح بين طول موجات الأشعة، التي تنتج عن قذف العناصر الكيماوية بقذائف من الإلكترونات، التي تحتويها ذرات هذه العناصر، و إختلافها في عدد الإكترونات يقتضي تفاوتها في مقدارالشحنة الموجبة في النواة أيضاً، لأن الذرة متعادلة في شحانتها الكهربيائية، فالشحنة الموجبة فيها بمقدار السالبة، سواء و على هذا الأساس أعطيت الأرقام المتصاعدة للعناصر كالتالي:

فالهيدروجين/ (1) بحسب رقمه الذرّي، إذ إن نواته تحتوي على شحنة واحدة موجبة، يحملها بروتون واحد، و يحطبها الكترون واحد ذو شحنة سالبة.

و الهليوم/ 2 و الليثيوم/ 3 و هكذا تتصاعد الأرقام الذرية وفق تصاعد تعداد الشحنات، إلى اليورانيوم، و هو أثقل العناصر المستكشفةحتى الآن، و رقمه الذري/ 92، بمعنى أن نواته المركزية تشمل على (92) وحدة من وحدات الشحنة الموجبة، و يُحط بها ما يماثل هذا العدد من الإلكترونات، أي: من وحدات الشحنة السالبة.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 120

و من الحقايق التي أتيح العلم إثباتها هو إمكان تبدُّل العناصر بعضها ببعض، فقد لوحظ أن عنصر اليورانيوم يولِّد أنواعاً ثلاثة من الأشعة هي أشعة «القا، بيتا، جاما»، و قد وجد (رد رفورد) حين فحص هذه الانواع ان اشعة (الفا) مكوّنة من دقائق صغيرة، عليها شحنات كهربائية سالبة، و قد ظهر نتيجة الفحص العلمي: أن (الألفا) هي عبارة من ذرات هليوم، بمعنى أن ذرات هليوم تخرج من ذرات اليورانيوم، أو بتعتبير آخر: أن عنصر هليوم يتولد من عنصر اليورانيوم، كما و أن عنصر اليورانيوم، بعد أن شعَّ آلفا و بيتا و جاما يتحول تدريجياً إلى عنصر آخر، و هو عنصر الراديوم، و الراديوم أخف في وزنه الذري من اليورانيوم، و هو بدوره يمرّ بعدة تحولات عنصرية حتى ينتهى إلى عنصر الرصاص.

وقام (رذرفورد) بعد ذلك، بأوّل محاولة لتحويل عنصر إلى عنصر آخر، و ذلك أنه جعل نوى ذرات الهليوم (دقائق الآلفا) تصطدم بنوى ذرات الآزوت، فتولدت البروتونات، اي نتبحت ذرة هيدروجين من ذرة الآزوت، و تحولت ذرة الآزوت إلى أو كسجين.

و أكثر من هذا: فقد ثبت أن من الممكن أن تتحول بعض أجزاء الذرة إلى جزءٍ آخر، فيمكن لبروتون أثناءَ عملية انقسام الذرة أن يتحول إلى نيوترون، و كذلك العكس.

و هكذا أصبح تبدُّل العناصر من العمليات الأساسية في العلم، و لم يقف العلم عند هذا الحد بل بدءَ بمحاولة تبديل المادة إلى الطاقة والطاقة إلى المادة، كما اسلفناه في البحث عن وحدة الطاقة و المادة في جذور المادية فلا نعيد.

نتائج الفيزياء التقدمية حول الذرة:

و من نتائج هذه الحقايق العلمية المعروضه ما يلي:

1- إن المادة الأصيلة للعالم، كما وصل إليه العلم اليوم: حقيقة واحدة مشتركة بين كافة العناصر، و إنما الإختلافات ناشي‏ءٌ عن اختلافات الذرية والجزيئية، من حيث‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 121

الأرقام و الجزيئية، و من مدى دمجها و انتشارها.

2- إن خواص العناصر الأولية، نفسها، ليست ذاتية للمادة أيضاً، فضلًا عن خصائصا المكربات، و البرهان العلمي على ذلك ما أسلفناه: من إمكان تحول بعض العناصر إلى بعض، و بعض ذراتها إلى أُخرى: طبيعياً أو اطناعياً، إذاً فهذه الخصائص العنصرية إنما هي صفات تعرض المادة المشتركة بين كافة العناصر الأولية.

3- نفس صفة المادية أصبحت على ضوء هذه الحقائق العلمية صفة عرضية أيضاً، فإن المادة أن تكون لوناً من ألوان الطاقة، و ليس هذا اللون- مهما كان- ذاتياً لها- و إلا لم يبتبدل و لم يُعلّل، فإن الذاتي للشي‏ء لا يُبدَّل و لا يُعللَّل بشي‏ء سواه.

فالمادة، على أية حال، لا تملك لا ذاتها، و لا عوارضها، و إنما هي بحاجة ضرورية قاطعة إلى سواها، في أصل كينونتها و تبدلاتها و صورَها المختلفة، فكيانها الفقر إلى سواها، مهما كانت بيئتها و طاقتها.

حدوث المادة في ذاتها و تحولاتها:

تدلنا على حدوث ذات المادة، ذاتها، بما هو لزامٌ لكيانها، من:

الحركة و التغير و الزمان و التركب، أسسٍ أربعة تبرهن لنا حدوث المادة الاصلية، و تدلنا على حاجتها الذاتية إلى سواها مختلفُ ألوآنهاو تراكيبها عن حالتها الاولية البسيطة ...

المادي‏: هنا ينقسم حوارنا في بيئة المادة أزليةً و حدوثاً إلى البحث عن:

المادة في ذاتها و طوارنها:

و نحن نقول: إن المادة ازلية الذات، و العوارض الطارئة عليها ليست إلا نتيجة حركاتها الدائمة، فحدوث هذه العوارض لا تدل على حدوث الذات.

الإلهي‏: سبق أن الذات الأزلية محالٌ أن تتصف بالصفات الحادثة، و زيادةً على ذلك:

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 122

فهذه الأفعال و الحركات المختلفة محالٌ أن تنبثق عمن ذات المادة على وحدتها في أصلها، و على جهلها و عدم إرادتها و إختيارها، و كما تنادون ليلَ نهار: إن المادة جاهلة، فالواحد المادي لا يصدر منه إلا سنخ واحدٌ من الأفعال، و لا يعرضها إلا عارض واحدٌ من العوارض.

فكيف تستطيع المادة الأزلية! غير المحتاجة إلى سواها اطلاقاً، أن تخلق تكلم الأطوار المختلفة؟ و الأفعال المختلفة دليلٌ اما على فواعل مختلفة، أو على فاعل ذي علم و اختيار، يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد!

الواحد لا يصدر منه إلا واحد؟!

المادي‏: و تلك إاً قسمة ضيزى ان تُحيلوا أنتم صدور الكثير من الواحد المادى، حال أنكم تُسندون مختلف الكائنات إلى إله واحدٍ فلو أن وحدة الفاعل تُحيل أن يصدر عنه إلا الواحد، لكانت هذه الإحالة بالنسبة للإله الواحد أحرى، إذ إن وحدته حقيقية دون أي تركب إطلاقاً، و لكن وحدة المادة الأولية نسبية!

و لعله لذلك تضطر النظرية الفلسفية المتافيزية إلى القول: أن الواحد لا يصدر مه إلا واحد، و الصادر الأول من اللَّه ليس إلا العقل الأول، ثم هذا العقل خلق العقل الثاني، و هكذا إلى عالم المادة والصورة في القوس النزولي.

الإلهي‏: إنّ النظرية الفلسفية القائلة: الواحد لا يصدر منه إلّا واحد لا تني الواحد الإلهي:

المجرد- و إنما تعني الواحد المادي: غير العالم المختار، و أما الواحد الإلهي الذي له العلم و الإرادة و الاختيار: غير المتناهية، فهذا يصدر منه الكثير حسب إرادته و إختياره. و إن هناك بين الواحدين بوناً شاسعاً، بين العلم و الحكمة و الإرادة و أضدادها.

و لئن كانت النظرية الفلسفية تعني الواحد الالهي- كما قد يظهر من بعض أقاويلها- لكنَّا نعارضها كما نعارض غير الموحدين القائلين يتعدد الإله الخالق- سواء!.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 123

 

الصدفة في خلق العالم من المادة الاولية؟!

المادي‏: أجل- و لك الصدقة قد تعمل عمل الفاعل ذي العلم و الإختيار- سواء- أو و أرقى منه و أعلى و أدقّ!.

كافه العلوم تحيل الصدفة:

الإلهي‏: بعد ما اسلفناه من إستحالة حدوث معلولٍ مّا دون أيّة علة- فالصدفة في حادثةٍ مّا- مهما كانت- إنها لا تعني عدم العلة، بل الجهل بالعلة أو جهل العلة فإذا كانت المادة الأصلية تفعل هذه الافاعيل المختلفة حسب الصدفة المزعمومة فإمّا أن هناك علة مّا لإختلاف هذه الأفاعيل: تجهل تلك العلة، أم ليس لها علّة؟

لا سبيل إلى الثاني، إذ كما أن أصل الخلق بحاجة ماسة إلى علة خالقة كذلك و كثرة الخلق و نظمه يحتاجان إلى علة مكثرِّة منظمِّة، و العلة الثانية ليست إلّا العلم و الإختيار:

سواء أكان في العلة الفاعلة أم في سواها: الموجد لها.

إذاً فمن المحال صدور مختلف الأفعال على نظام بارع دقيق، دون عامل العلم و الإرادة، كاستحالة صدور الفعل الواح دون نظام بلا فاعل- سواء.

فخالق الكون- مهما كان مادة! أو مجرداً عنها- فلا ريب في: أنه حيٌّ عليمٌ قديرُ فوقَ ما يُتصور، إذ إن النظام و الحكمة: الذين ينتظمان كافة مجالات الكون المتناسقة، تناسقاً جميلًا كاملًا لحدّ النهاية، هذا النظام يُرشدنا إلى مصدر عليم حكيم حي قدير لا نهائي، كما و يُرشدنا إلى ذلك إختلاف صُور الخلق.

حياة الخالق و ارادته:

فآية حياة الخالق، إضافةً الى أنها اللائقة بالأزلية:

1- أنه خالق الحياة.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 124

2- و خالق مختلف صنوف الخلائق، فلولا الحياة و الإرادة لكان فعله واحداً إذ الإختلاف آية الإنتخاب و الخيرَة، و لا سيما فوق من مادة واحدة.

3- و لو لم يتملك الخالقُ الحياةَ و الإرادة لكان خلقه أزليّاً لا أول له- لإستحالة إنفكاك المعلول عن العلة: غير المختارة، حال أن الأزلة تنتنافى و المخلوقية إطلاقاً!.

فهذه التراكيب المختلفة في الكون- في الذرّات و الجزئيآت و العناصر- مل يكن من الممكن أن يوجد فيها إختلاف كيفيُّ: إذا لم تكن لخالقها إرادة و إختيار.

فالخالق تعالى‏ هو الحياة اللانهائية، و منه الحياة، و إليه يُرجع الامر كلُّه، و قد حكَّم في الكون مختلف الطاقات و القوانين العامة، و عللا طبيعية شتّى، دون تفويض الأمر إليها، و هو القيّوم عليها من ورائها.

القدرة:

و القدرة الناتجة عن الحياة و عن الطاقة الذاتية في جوهر الذات، هي العلة الرئيسية لإحكام الصنع و تدبيره و تقديره، كلما إزداد الصنع بداعة و حكمة و كلما نقصت ضاع و نقص.

فهل تجدون في مختلف آثار الصنع و بدايعه آثار العيّ و العجز!؟ أم هل تقدرون على شي‏ءٍ مما أبدعه خالق الكون، على قوّاتكم الموهوبة و التي تحصِّلونها؟

فهل إننا قادرون على عجزنا- فيما تريد؟! و الخالق عاجزٌ على قدرته اللّانهائية الظاهرة في خلقه فيما يريد؟، نحن! و قد نعجز عن خلق بعوضة فما فوقها في الصغر؟ ...:

 «إنَّ اللَّه لا يَتستحيى أن يَضْربَ مَثلًا مّا بَعْوضةً فما فَوْقها ...» 2: 25

 «إن الّذينَ تَعبُدون مِن دونِ اللَّه لنّ يخلوقا ذُباباً و لَو إجْتَمَعوا لَهُ و إنَّ يَسلبهمُ الذَّباب شيئاً لا يَستنقذوهُ منهُ ضَعفَ الطالبُ و المَطلوب» 22: 73.

العلم و الحكمة:

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 125

 «ألا يَعلمُ مَن خَلق و هُو اللطيفُ الخبير» 67: 14

 «و لئِنَ سألتَهمُ مَن خلق السماوات و الأرض ليقولُنّ خلقُهنَّ العزيزُ الحكيم» 43: 9.

 «أفمن يخلقُ كمن لا يَخلقُ أفلا تذكِّرون» 16: 17 ..

فكيف لا يعلم الخالق، أو يمكن ألّا يعلم؟ و آثاره العلم و الحكمة- و العِزّة و الخبرة- وفيرة كثيرة فيما خلق، دون خلل و فتور، دون تفاوت و فطور؟!

فهل تجدون في هذا الصنع البارع البديع آثار الجهل و الصدفة العمياء- أم آيات العلم و الحكمة و التقصُّد في كافة أنحائه، دون شذوذ؟.

فلو أن هكذا إتقان في الصنع يصبح آيةً لجهل صانعه، فلنستدلَّ بكل صنع متقن عليجهل صانعه، ثم نكتفي بالجهل عن العلم، و لا نكتلف في ابتغاء مختلف العلوم!

كلا: و لا يظن أيُّ ذي شعور: أن الإتقان آية الجهل، فكيف يمكن تكوُّن هذا الكون البارع المنظم من مكوِّنٍ فاقد العلم و الحكمة: و هو المادة الاولية؟!.

فما أكذوبة الصدفة في صنع العالم- بما فيه من بدايع الحكمة، التي عجزت عن الإحاطة بها عميقات مذاهب التفكير، و بوارع ثاقبات العقول- ما ذلك إلا جهلًا و خرافة مستحيلة.

نتيجة البحث:

1- فالوجد السائدة في المادة الأولية. 2- و الجهل السائد فيها.

3- و أن المادة تملك شيئاً من مقوماتها: ذاتيةً و صفاته: هذه شهود صدق على حدوثها، و أنها ليست خالقة لأطوارها.

1- ثم الأطوار السائدة في كافة مجالات المادة. 2- و النظم البديع فيها.

3- و القوانين المحكَّمة عليها: هذه تبرهن لنا: أن خالقها مجردٌ عنها: ذاتياً و صفاتياً، و أنه ذو علم و قدرة و حياة و حكمة بارعة فوق ما يتصور، و أن الصدفة في تطوُّرات الكون‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 126

مستحيلة من جهات.

العلوم التجريبية تحيل الصدفة في الخلق و اطواره‏

علماء العلوم الطبيعية يحيلون الصدفه العشوائية في خلق الكون:

جون كليفلاند كوثران‏ «1»:NARHTOC DNALELC NHOJ

 «إننا لنرى: أن التطورات الهامة، التي تمَّت في جميع العلوم الطبيعية، خلال المائة السنة الأخيرة- بما في ذلك الكيمياء- قد حدثت بسبب إستخدام الطريقة العلمية في المادة و الطاقة، و عند استخدام هذه الطريقة تُبذل كل الجهود للتخلص من كل احتمال من الإحتمالات الممكنة: التي تجعل النتيجة التي فصل إليها راجعةً إلى محض المصادفة.

خضوع الكون للقانون:

و قد أثبت جميع الدراسات العلمية بصورة ثبتت في الماضي، و لا تزال ثابتة في الحاضر، أن سلوك أي جزءٍ من أجزاء المادة- مهما صغر أو تضاءل حجمه- لا يمكن أن يكون سلوكاً عشوائياً، بل إنه على نقيض ذلك يخضع لقوانين طبيعية محدَّدة، و في كثير من الأحيان يتم اكتشاف القانون قبل إكتشاف أسبابه، و فهم طريقة عمله بفتره طويلة من الزمن.

و لكن بمجرد معرفة القانون و تحديد الظروف التي يعمل في ظلها، يثق الكيمويّون فيه كل الثقة، و يظل القانون عاملًا و مؤدّياً إلى نفس النتائج، و ليس من المعقول: أن يكون لدى الكيمويين كل هذه الثقة في القوانين الطبيعية، لو أن سلو كالمادة و الطاقة كان من النوع العشوائي الذي تتحكم فيه المصادفة، و عندما يتم أخيراً إدراك الأسباب التي تجعل‏

______________________________

 (1)-/ من علماء الكيمياء و الرياضة و قد اسلفنا وصه و محمّده العلمي‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 127

هذا القانون الطبيعي عاملًا و تفسّر لنا حقيقته، فإن أي أثرٍ لفكرة العشوائية أو المصادفة في سلوك المادة أو الطاقة سوف يندثر إندثاراً تاماً.

القانون الدوري يحيل الصدفة:

و منذ مائة سنة تقريباً رتب العالم الروسي «مانداليف»: العناصر الكيموية تبعاً لتزايد أوزآنهاالذرية- ترتيباً دورياً- و قد وجد: أن العناصر التي تقع في قسم واحد تؤلف فصيلة واحدة و يكون لها خواص متشابهة، فهل يمكن إرجاع ذلك إلى مجرد المصادفة؟!.

و كذلك تمكَّن العلماء بفضل هذا الترتيب أن ينبِّأوا بوجود عناصر: لم يكن البشر قد توصلوا إليها بعد، بل أمكن التنبُّؤ بخواص هذه العناصر المجهولة و تحديدها تحديداً دقيقاً- ثم صدقت نبوءاتهم في جميع الحالات- فاكتشفت العناصر المجهولة، و جاءت صفاتها مطابقة كل المطابقة للصفات التي توقعوها، فهل يبقى بعد ذلك مكانٌ للإعتقاد في: أن أمور هذا الكون تجري على أساس المصادفة؟.

إن اكتشاف «مانداليف» لا يطلق عليه إسم المصادفة الدورية، و لكنه يسمّى: القانون الدوري!.

و هل يمكن أن نفسر على أساس المصادفة: ما وصفه و توصل إليه العلماء السابقون من تفاعل ذرات عنصر «أ» مع ذرات عنصر «ب» و عدم تفاعلها مع عنصر «ج» كلَّا! إنهم قد فسّروا ذلك على أساس أن هناك نوعاً من الليل أو الجاذبية بين جميع ذرات عنصر «أ» و جميع ذرات عنصر «ب» و لكن هذا الميل أو الجاذبية منعدمٌ بين ذرات عنصر «أ» و ذرات عنصر «ج».

و قد عرف العلماء كذلك: أن سرعة التفاعل بين ذرات المعادن القلَوية و الماء- مثلًا- تزداد بازدياد أوزانها الذرية- بينما تسلك عناصر الفصيلة «الهالوجينية» سلوكاً متناقضاً

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 128

لهذا السلوك- كل المناقضة- و لا يعرف أحدٌ سبب هذا التناقض و مع ذلك فإن أحداً لم يرجع ذلك الي محض المصادفة، أو يظن: أنه ربما يتعدل سلوك هذه العناصر بعد شهر أو شهرين، أو تبعاً لإختلاف الزمان أو المكان أو يخطر بباله: أن هذه الذرات ربما لا تتفاعل بنفس الطريقة- أو بطريقة عكسية- أو طريقة عشوائية.

و قد أثبت إكتشاف تركيب الذرة: أن التفاعلات الكيموية التي نشاهدها، و الخواص التي نلاحظها، ترجع إلى وجود قوانين خاصة و ليست محض مصادفة عمياء.

أنظر إلى العناصر الكيموية المعروفة التي يبلغ عددها إثنين بعد المائة، و لا حظ ما بينها من أوجه التشابه و الإختلاف العجيبة.

فمنها اللون و غير اللون، و بعضها غازٌ يصعب تحويله إلى سائل أو صَلِبُ، و بعضها سائل و الآخر صَلِبٌ يصعب تحويله إلى سائل أو غاز، و بعضها هشٌ و الآخر شديد الصلابة- و بعضها خفيف و الآخر ثقيل- و بعضها موصل جيد و الآخ‏ر ردي‏ءٌ التوصيل، و بعضها مغناطيسيٌ و الآخر غير مغناطيسي، و بعضها نشيط و الآخر خامل، و بعضها يكوِّن أحماضاً و الآخر يكوِّن قواعد، و بعضها معّمر و الآخر لا يبقى إلا لفترة محدودة من الزمن.

و مع ذلك: فإنها جميع تخص لقانون واحد: و هو القانون الدوريّ الذي أشرنا إلهى.

و مع ما يبدو من التعقيد في تركيب كل ذرة من ذرات العناصر العديدة، فإنها تتكون جميعاً من نفس الأنواع الثلاثة من الجزيئات الكهربية، و هي البروتونات الموجبة و الإلكترونات السالبة و النيوترونات، و التي يعتبر كل منها ناشئاً عن إتحاد بروتون واحد مع إلكترون واحد، و جميع البروتونات و النيوترونات التي بالذرة الواحدة تقع في نواة مركزية، أما الإلكترونات فإنها تدور حول محاورها في مدارات مختلفة حول النواة و على أبعاد شاسعة منها مكونة: ما يشبه مجموعة شمسية معضرة، و على ذلك فإن معظم حجم الذرة يعتبر فرعاً كما هي الآن في‏المجموعة الشمسية ...

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 129

النظام لا الفوضى:

فالكون المادى يسوده النظام و ليس الفوضى، و تحكمه القوانين و ليس المصادفة أو التخبُّط!.

فهل يتصور عاقل أو يفكِّر أو يعتقد: أن المادة المجردة من العقل و الحكمة قد أوجدت نفسها بنفسها بمحضالمصادفة؟ أو أنها هي التي أوجدت هذا النظام و تلك القوانين ثم فرضته على نفسها؟ لا شكّ أن الجواب سوف يكون سلبيّاً، بل إن المادة عند ما تتحول إلى طاقة أو تتحول الطاقة إلى مادة، فإن كلَّ ذلك يتم طبقاً لقوانين معينة، و المادة الناتجة تخضع لنفس القوانين التي تخضع لها المادة المعروفة التي وجدت قبلها.

و تدلنا الكيمياء على أن بعض المواد في سبيل الزوال أو الفناء، و لكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة و الآخر بسرعة ضئيلة، و على ذلك فإن المادة ليست أبدية، و معنى ذلك أيضاً أنها ليست أزلية، إذ إن لها بداية «1».

و تدل الشواهد من الكيمياء و غيرها من العلوم: على أن بداية المادة لم تكن بطيئة أو تدريجية، بل وجدت بصورة فجائية، و تستطيع العلوم أن تُحدّد لنا الوقت الذي نشأت فيه هذه المواد.

و على ذلك فإن هذا العالم المادي لا بد أن يكون مخلوقاً، و هو منذ أن خلق يخضع لقوانين و سنن كونية محدودة، ليس لعنصر المصادفة بينها مكان».

______________________________

 (1)-/ نفس ان المادة ليست ابدية تكفى برهاناً قاطعاً لا مرد له آنهاليست ازلية كما سبق‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 130

 

المخ الالكترونى يحيل الصدفة العشوائية

كلودم. هاثاواى‏ «1»YAWAHTAH .MEDUALC

 «... لقد اشتغلت، منذ سنوات عديدة: بتصميم المخّ إلكتروني يستطيع أن يحلَّ بسرعة بعض المعادلات المعقَّدة المتعلقة بنظرية «الشد في التجاهين» و لقد حققنا هدفنا باستخدام مئآت من الأنابيب المفرَّغة و الأدوات الكهربا و الميكانيكية و الدوائر المقعَّدة و وضعها داخل صندوق بلغ حجمه ثلاثة أضعاف حجم أكبر «بيّانو» و لا تزال الجمعية الإستشارية العلمية في (لانجلى فيلد) تستخدم هذا المخبَ الإلكتروني حتى الآن.

و بعد إشتغالي باختراع هذا الجهاز سنة أو سنتين، و بعد أن واجهت كثيراً من المشكلات التي تطلبها تصميمه و وصلت الى حلِّها، صار من المستحيلات بالنسبة إليّ أن يتصور عقلي: أنّ مثل هذا الجهاز يمكن عمله بأية طريقة أخرى غير استخدام العقل و الذكاء و التصميم.

و ليس العالم من حولنا إلّا مجموعة هائلة من التصميم و الإبداع و التنظيم و برغم إستقلال بعضها عن بعض، فإنها متشابكة متداخلة، و كلٌ منها أكثر تعقيداً في كل ذرة من ذرات تركيبها، من ذلك: المخّ الإلكتروني الذي صنعته، فإذا كان هذا الجهاز يحتاج إلى تصميم، أفلا يحتاج الجهاز الفسيولوجي الكيمي البيولوجي الذي هو جسمي، و الذي ليس بدوره إلا ذرة بسيطة من ذرات هذا الكون اللانهائي في اتساعه و إبداعه، إلى مُبدع يُبدعه؟

إن التصميم أو النظام او الترتيب، أو سمِّها ما شئت، لا يمكن أن تنشأ إلّا بطريقين:

______________________________

 (1)-/ مستشار هندسي، حاصل على درجة الاجستير.... من جامعة كلورادو، مستشار هندسي بمعامل شركة جنرال الكتريك، مصمم العقل الاكتروني للجمعية العلمية لدراسة اللاحة الجوية بمدينة «لا تجلي فيلد» اختصائي في الآلات الكهربية الطبيعية للقياس‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 131

طريقالمصادفة أو طريق الإبداع، و كلما كان النظام أكثر تعقيداً، بُعد إحتمال نشأته عن طريق المصادفة، و نحن في خضمِّ هذا اللّانهائي لا نستطيع إلّا أن نسلِّم بوجود اللَّه، و مصمّم هذا الكون لا يمكن أن يكون مادّياً، و إنني أعتقد أن اللَّه لطيف غير مادي، و إنني أسلِّم بوجود اللاماديات، لانني بوصفي من علماء الفيزياء أشعر بالحاجة إلى وجود سببٍ أول غير مادي، و أن الفيزياء قد علمتني: أن الطبيعة أعجز من أن تنظّم نفسها أو تسيطر على نفسها ...»

مخ الانسان يحيل الصدف‏

في مقالة ل «مارلين بوكس كريدر» تحت عنوان: تعريف القدرة الخلّاقة في نظرية انيشتاين‏ «1»: «... ثم من وجهة النظر في علم وظائف الأعضاء تتمكن، كذلك، من تصديق خلّاق عليم وراء الكون: (المادي).

فيا للإنسان و سائر الحيوان في جسمه من بدايع مرموزة متداخلة، يعجز عن إختلاق عضو واحد صغير منها، أعقل فحول العلم و عباقرة الدكاترة الحذَّق.

من ذلك مخ الإنسان: الحاوي لعجائب الآثار و الأفعال، و لم يهدِ لعلماء الكيمياء و الفيزياء، حتى اليوم، إلا شي‏ءٌ يسير منها، كمثل الهداية إلاكتريسيتية و غيرها، و لقد بقيت أكثرها حتى الآن مجهولة.

من وظائف المخ جميع الحركات العضلانية، و سائر الأعمال الرئيسية الحيوية للنسان إطلاقاً.

فهو محل الحافظة، تحتفظ فيها ميليارات من الصور و النقوش، و لا يوجد هناك أيُ‏

______________________________

 (1)-/ قد اسلفنا الجملات السالفة على ما ننقلها هنا، في البحوث عن نظرات العلماء في تناصر العلوم لفكرةالإله‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 132

تفسير و توجيه مادي لعمليات المخ، و لا سيما حلُّ المسائل و ربط مختلف المواضيع.

و كذلك لا يمكن تفسير الذوق السليم و الأمل و الحب و صفاء الباطن: بالوسائل و القرارات العلمية المادية.

فأيّة قدرة تُوجب تحوُّل ذرة منوية في الرحم إلى الجنين، ثم تطلع حيواناً حيّاً مع نسوج و أعضاء مختلفة، و فيها مثل المخّ، و هذا الصنع البديع المرموز!.

فلو فرضنا محالًا: أننا نُوفق لصنع جسم حيٍ، آنذاك تبقى الطاقة الإلكتريسيتية و الحرارة و سائر العوامل الكيمياوية، التي تسبب بها لاختلاق هذا الموجود الحىّ، تبقى مجهولة عنا، مرموزة، و لم نكن لنعلم العلة في الحياة و لا كيفية تلكم الأسباب في إحداثها.

من المسلم حتى اليوم: أنّه لا يحيط أحدٌ بكيفية التكوين، علماً أو تفسيراً، إلّا أن المشاهدات و الشواهد العلمية تدلنا: أن احتمال خلق الحيوان من المادة و الطاقات المادية فحسب، هذا غير قابل للتصديق، و أخيراً أنه:

لا مناص عن الإقرار بوجود طاقة قهارة وراء المادة، هي التي تخلق الحياة على علم و حكمة».

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 133

 

علم النبات- يحيل الصدفة العشوائيةنبات يوط

جون وليام كلوتس‏ «1»ZTOLC MAILLIW NHOJ

 «ان هذا العالم الذي عيش فيه، قد بلغ من الإتقان و التعقيد الي درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض المصادفة، إنه ملي‏ءٌ بالروائع و الأمور المقعدة التي تحتاج اليي مدبرّ، و التي لا يمك نسبتها الي قَدَرٍ أعمى، و لا شك أن العلوم قد ساعدتنا على زيادة فهم و تقدير ظواهر هذا الكون المقعدة، و هي بذلك تزيد من معرفتا باللَّه و من إيماننا بوجوده.

و من التعقيدات الطريقة في هذا الكون، ما نشاهده من العلاقات التوافقية الإضطرارية بين الأشياء أحياناً، و من أمثلتها العلاقة الموجودة بين فراشة اليوكا و نبات اليوكا- و هو أحد النباتات الزنبقية- فزهرة اليوكا تتدلّى إلى أسفل و يكون عضو التأثنيث فيها أكثر إنخفاضاً عن عضو التذكير أو السداة، أما الميسم و هو الجزء من الزهرة الذي يتلقي حبوب اللقاح- فإنه يكون على شكل الكأس- وهو موضوع بطريقة يستحيل معها أن تسقط فيه حبوب اللقاح، و لا بد أن تنتقل هذه الحبوب بوساطة فراشة اليوكا: التي تبدأ عملها بعد مغيب الشمس بقليل، فتجمع كمية من حبوب اللقاح من الأزهار التي تزورها و تحفظها في فمها الذي بُني بطريقة خاصة لأداء هذا العمل، ثم تطير الفراشة إلى نبات آخر من نفس النوع، و تثقب مبيضها بجهاز خاص في مؤخّر جسمها، ينتهي بطرف مدبَّب يشبه‏

______________________________

 (1)-/ عالم في الوراثة، حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة بيتسبرج، استاذ علم الأحياء و الفسيولوجيا بكلية المعلمين بكونكورديا منذ سنة 1945- عضو جمعية الدراسات الوراثية، متخصص في الوراثة و علم البيئة

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 134

الإبرة و ينزل منه البيض- و تضع الفراشة بيضة أو أكثر- ثم تزحف الى أسفل الزهرة حتى تصل إلى القلم، و هناكتترك ما جمعه من حبوب اللقاح على صورة كرة فوق ميسم الزهرة- وينتج النباتع عدداً كبيراً من الحبوب- يستخدم بعضها طعاماً لأولاد الفراشة و ينضج بعضها لكي يواصل دورة الحياة.

و هاك أيضاً علاقة مشابهة بين نبات التين و مجموعة من الزنابير الصغيرة، و كذلك بين الزهرة السماء «جاك في المقصورة» و ذبابة دقيقة تدخل إلى المقصورة.

و هنالك كثير من الأزهار التي تسجن الحشرات داخلها.

أفلا تدل كل هذه الشواهد على وجود اللَّه؟! إنه من الصعب على عقولنا أن نتصور: أن كل هذا التوافق العجيب قد تم بمحض المصادفة، إنه لابد أن يكون نتيجة توجيه محكم احتاج الى قدرة و تدبير! ..»

الوردة و الحشرة تحيلان الصدفة

سيسل هامان‏ «1» عالم بيولوجي: «اينما اتجهت ببصري في دنيا العلوم، رأيت الأدلة على التصميم و الإبداع- على القانون و النظام- على وجود الخالق الأعلى.

سر في طريق مشمّس و تأمل بدائع تركيب الأزهار، و استمع إلى تغريد الطيور، و أنظر إلى عجائب الأعشاش، فهل كان محض المصادفة أن تنتج الأزهار ذلك الرحيق الحلو الذي يحتذب الحشرات فتلقح الأزهار و تؤدي إلى زيادة المحصول فى العالم التالي؟!

و هل هو محض مصادفة إذ تهبط حبوب اللقاح الرقيقة على مبسم الزهرة فتثبت و تسير في القلم حتى تصل إلى المبيض فيتم التلقيح و تتكون البذور؟!

______________________________

 (1)-/ حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة بوردو، و أستاذ في جامعة كنتاكي و جامعة سانت لويز سابقاً، استاذ في كلية آسبوري، اخصائي في تقسيم الطفيليات الحيوانية

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 135

أفليس من المنطق: أن نعتقد بأن يد اللَّه التى لا نراها هي التي رتبت و نظمت هذه الأشياء تبعاً لقوانين: ما زلنا في بداية الطريق نحو معرفتها و الكشف عنها؟!.

و هل من الممكن أن يغرد الطير- لا لأن له أليفاً فحسب- بل لأن اللَّه يجب تغريده و يعلم أننا نطرب بتغريده؟».

من الفطرة الى المجرّة- تحيل الصدف:

ثم يستمر هامان قائلًا: «عندما نذهب إلى العمل و نفحص قطرة من ماء المستنقع تحت الجهر لكي نشاهد سكانها، فإننا نرى إحدى عجائب هذا الكون فتلك الأميباء تتحرك في بطوء و نتجه نحو كائن صغير فتحوطه بجسمها- فإذا به داخلها و إذا به يتم هضمه و تمثيله داخل جسمها الرقيق، بل إننا نستطيع أن نرى فضلائه تخرج من جسم الأميبا قبل أن نرفع أعيننا عن الهجر، فإذا ما لاحظنا هذا الحيوان فترة أطوال، فإننا نشاهد كيف ينشطر جسمه شطرين ثم ينمو كلٌّ من هذين الشطرين ليكون حيواناً جديداً كاملًا، تلك خليّة واحدة تقوم بجميع وظائف الحياة التى تحتاج الكائنات الكبيرة الأخرى في أدائها إلى آلاف الخلايا او ملايينها.

لا شك أن صناعة هذا الحيوان العجيب الذي بلغ من الصغر حدّ النهاية تحتاج إلى أكثر من المصادفة!

و لقد كشفت قوانين الكيمياء الحَوية من أسرار الحياة و ظواهرها ما لم تكشفه القوانين ف أيّ ميدان آخر من ميادين الدراسات العلمية، لقد كان الناس ينظرون إلى خفايا عمليات الهضم و الإمتصاص، و يستدلون بها على وجود التدبير المقدس.

أما في الوقت الحاضر فقد أمكن شرح هذه العمليات و معرفة التفاعلات الكيموية التي تتنطوي عليها، و الخميرة التي تقوم بكل تفاعل .. أن نظرةً واحدة الى إحدى الخرائط التي تبين التفاعلات الدائرة العديدة و ما يدور بين كل منها و الآخر من تفاعلات أُخرى، كفيلة

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 136

بأن تقنع الإنسان بأن مثل هذه العلاقات لا يمكن أن تتم بمحض المصادفة.

فإذا رفعنا أعيننا نحو السماء، فلابد أن يستولى علينا العجب من كثرة ما نشاهده فيها من النجوم و الكواكب السامجة فيها .. إنها تدور في أفلاكها بنظام يمكننا من التنبؤ بما يحدث من الكسوف و الخسوف قبل وقوعه بقرون عديدة، فهل يظن أحد بعد ذلك: أن هذه الكواكب و النجوم قد لا تكون أكثر من تجمعات عشوائية من المادة تتخبّط على غير هدى في القضاء!؟

قد لا يسلِّم بعض الناس بوجود اللَّه و مع ذلك فإنهم يسلمون بأن هذه الأجرام السماوية تخضع لقوانين خاصة و تتبع نظاماً معيناً، و أنها ليست حرةً تتخبَّط في السماء كيف تشاء!

الحق أنه من فطرة الماء التي رأينا تحت الجهر الي تلك النجوم التي شاهدناها خلال المنظار المكبِّر، لا يسع الإنسان إلا أن يمجدّ ذلك النظام الرائع و تلك الدقة البالغة، و القوانين التي تعبر عن تماثل السلوك و تجانسه! ..»

علم الحيوان يحيل الصدف‏

ادوين فاست‏ «1»TSAF NIWDE

 «إذا انتقلنا الي العالم العضوي- فإننا نلاحظ أن سلوكه يزداد تعقيداً- و على ذلك فإن احتمال تفسير هذا السلوك على أساس المصادفة المحض يتضاءل إلى حدّ لا نهائي.

فالمواد الأساسية التى تدخل في بناء المواد العضوية هي الإيدروجين و الأوكسيجين و الكربون، مع كميّات قليلة من النتروجين و العناصر الأخرى، و لابد أن تجتمع ملايين‏

______________________________

 (1)-/ حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة أو كلاهوما، و عضو هيئة التدريس بقسم الطبيعة فيها سابقاً، يشتغل الآن بالطاقة الذرية

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 137

من هذه الذرات حتى تتكون أبسط الكائنات الحية، فإذا نظرنا إلى الأنواع الأخرى، التي هي أكبر حجماً و أشدّ تعقيداً، فإن احتمال تألّف ذراتها على أساس المصادفة المحض يقل إلى درجة لا يتصورها العقل!

و إذا نظرنا إلى الكائنات الحية الراقية، فإننا نرى أن من بينها ما لديه من الذكاء ما يجعله قادراً على التخطيط الإبتكار و القيام بأعمال تقرب من حدِّ الإعجاز، فقد تتغلب على القوانين الطبيعية، فإذا تصورنا: أن كل ذلك يتم بمحض المصادفة، التى تجعل الجزئيات تجتمع بصورة معينة، لكي تكون ذرات يتألف بعضها مع بعض، لكي تكون أجساماً تقوم بدورها بالتكاثر و أداء سائر وظائف الحياة، و يكون لها عقل و تفكير، دون أن يكون وراء كل ذله إله مدبّر- هو الذي خلق فصور فأبدع- فإن ذلك ما لا يقبله عقلٌ أو يتصوره فكرٌ، و حق إذا فعلنا ذلك فإننا نكون قد أخذنا بفرض مستحيلٍ من الوجهة العملية، و طرحنا وراء ظهورنا فرضاً منطقياً بسيطاً، ألا و هو وجود اللَّه الذي انشأ هذا الكون و بدأه بقدرته- فاللَّه هو المبدي‏ءُ- كلمات بسيطة و لكنها بساطة تتسم بالجلال.

إنه جلال الحق و قدسيته!»

ميريت ستانلي كونجدن‏ «1»NODGNOC YELNATS TTIRREM

 «و تُعالج العلوم كثيراً من الظواهر الطبيعية التي تحدث في هذا الكون، و برغم أن العلوم لا تؤيد وجود عالَم غير مادي تأييداً كاملًا «2» فإنها لا تستطيع أن تنفي بصورة قاطعة وجود عوالم أُخرى غير مادية وراء العالم المادي، و نستطيع بطريقة الإستدلال و القياس بقدرة الإنسان و ذكائه، في عالم يفيض بالأمور العقلية أن نصل إلى وجوب وجود

______________________________

 (1)-/ دكتوراه من جامعة بورتون، استاذ سابق بكلية ترينيتي بفلوريدا، عضو الجمعية الأمريكية الطبيعة، أخصائي في الفيزياء و علم النفس و فلسفة العلوم و البحوث الانجيلية

 (2)-/ بل انها تؤيد تأييداً كاملًا، كما ترى طوال بحوث هذا الكتاب‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 138

قوة مسيطرة مدبرة تدير هذا الكون و تدبّر أموره و تعيننا على فهم ما يغمض علينا من أمر منحنيات التوزيع- و دورة الماء في الطبيعة- و دورة ثاني أوكسيد الكربون فيها، و عمليات التكاثر العجيبة، و عمليات التمثيل الضوئي ذات الأهمية البالغة في اختزان الطاقة الشمسية و ما لها من أهمية بالغة في حياة الكائنات الحية- و ما لا يحصى من عجائب هذا الكون.

إذ كى يتسنىَّ لنا أن نفسر هذه العمليات المقعدة المنظمة تفسيراً يقوم على أساس المصادفة و التخبّط العشوائي؟ و كيف نستطيع أن نفسر هذا الإنتظام في ظواهر الكون، و العلاقات السببية- و التكامل، و الغرضية، و التوافق، و التوازن: التي تنتظم سائر الظواهر، و تمتد آثارها من عصر إلى عصر؟ كيف يعمل هذا الكون دون أن يكون له خالق مدبّر، هو الذي خلقه و أبدعه و دبّر سائر أموره؟!.

إن جميع ما في الكون يشهد على وجود اللَّه سبحانه- و يدل على قدرته و عظمته- و عندما تقوم- نحن العلماء- بتحليل ظواهر هذا الكون و دراستها، حق باستخدام الطريقة الإستدلالية، فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي اللَّه و عظمته، ذلك هو اللَّه الذي لا نستطيع أن نصل إليه بالوسائل العلمية المادية وحدها، و لكننا نرى آياته في أنفسنا و في كل ذرة من ذرات هذا الوجود، و ليست العلوم إلا دراسة خلق اللَّه و آثار قدرته»:

 «سَنريهم آياتِنا في الآفاقِ و في أنْفُسِهِم حَتّى يَتَبَيَّن لَهُم أنَّه الحقّ، أو لَمْ يَكف بِربّك أنه على كلّ شي‏ءٍ شهيد» 41: 53.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 139

 

علم الجنين يحيل الصدف‏

تكوُّن الانسان في ظلمات ثلاث في ثلاث:

 «يَخلُقُكُم فى بُطونِ امَّهتِكُم خَلقًا مِن بَعدِ خَلقٍ فى ظُلُمتٍ ثَلثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُم لَهُ المُلكُ لا الهَ الّا هُوَ فَانّى‏ تُصرَفُون» (39: 6).

هذه الظلمات هي:

1- ظلمة البطن. 2- ظلمة الرحم. 3. ظلمة المشيمة.

ثم في جدار الرحم ظلمات ثلاث أخرى- هي: الجُدر الثلاثة من بقايا النطفة الأمشاج، المعتورة للجرثومة الأصلية.

و في نطفة الأنثى أيضاً ظلمات ثلاث: فإنها حوصيلة هي في مّح، و هو في بيضة تدفق من ترائب الأنثى.

فهذه ظلمات في بيئات ثلاث:

بيضة الأنثى:

 «خُلِقَ مِن ماءٍ دافِق؛ يَخرُجُ مِن بَينِ الصُّلبِ والتَّرائب» 86: 6- 7.

هذه البيضه الدافقة من ترائب الأنثى، هي كبضة الدجاجة، لكنها أصغر منها بكثير، قطرها يتراوح بين جزئين أو جزء من عشرة أجزاء 210 او 101 من الميليمترات. و وزنها جزء من ميليون جزء من الغِرام، و فيها محُ‏( EMAYLPOTYC )و في المح الحويصلة الجرثومية( EDELEUN )التي يبلغ قطرها جزءً من القيراط، و فيها تكمن النطفة الجرثومية( UAYON )التي يبلغ قطرها جزء من ثلاثة آلاف جزء من القيراط.

زواج بعد زواج- عجيب!

فهذه البيضة تتكون في ظلمة البيض ضمن حويصلة تسبح في سائلها الآلبوميني فإذا

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 140

نمت هذه الحوصيلة و إزداد السائل الذي في باطنها، يتمدد غشائها و يرق ثم ينفجر و تخرج البيضة منها و من البيض كله.

فإلى اين تذهب هذه البيضة الصغيرة العزيزة العذراء وحدها في هذا الظلام؟

إنها على موعد مع العشير الذي تحلم به من غير أن تعرفه و لا أن يعرفها. فهي تسعى إليه و هو يسعى إليها و يتلاقيان في الطريق، ثم يسيران متعانقين متراوحين إلى بيت الزوجية: الأمين الهيّاً لهما، ليصنعا فيه من نفسيهما بشراً سويّاً.

و لكن هذا الطريق الملتقى عبارة عن بوق مظلم مظلم- ضيق ضيق، رفيع رفيع، قطره قطر شعرة يختبى وراء الرحم و يمتد فيه إلى البيض، فمن أين و كيف يأتي ذليه الحبيب للقاء الحبيبة؟ في ظلام ضيق دون معرفة سابقة.

فهل إن هذا الحيوان المنوي الذكر- لخبيرٍ ذكي شاطر- جرى‏ءٌ وقح ماكر؟ فيعرف أن البيضة تنتظره في فم البوق، و أن لا طريق إليها إلا من الرحم، فدخل إليه و خرج منه- لا يلوي على شي‏ءٍ- حتى وصل إلى البوق فلاقاها؟

و رأي نفسه صغيراً بالنسبة للبويضة الضخمة، لأن طوله ستون جزءً من ألف جزء من الميليمتر، فعلم أنه إن لم يكن له رأس مكورة لم يستطع خرق جدار البيضة!

و على أنه إن أتاها سابحاً سبحاً بطيئاً مثل سبحها، فاته الوصول إليها في الوقت المناسب!

و علم أن السبح يكون أسرع إن كان في حركة لولبية!

و علم أن السبح السريع لا يكون إلّا يتبلطٍ في الماء!

و علم أن جوهره في رأسه لا في دنبه!

علم الحيوان الصغير المنوي كل هذا فجعل لنفسه رأساً مكوّراً، و جعل لرأسه عنقاً لولبياً، و جعل لعنقه ذنباً طويلًا يضرب به الماء الذي يسبح فيه و يتبلَّط.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 141

و جعل هذا الذيل معقوداً بأنشوطة لينفك عنه إذا دخل إلى البيضة.

ثم هل إن هذه البيضة الأنثى الذكية، و فيَّة عفيفة حصان؟

إنها عرفت أنها وحيدة، و أن الذكور يربو عددهم على 200 ميليون- تشتدّ سعيها إليها و تدور حولها تغازلها من وراء الجدار، تستفتح!

فإذا أتاها القويّ السابق رضيت به زوجاً و فتحت له إلى قلبها باباً خاصاً يسمى باب الجاذبية( NOICAUTTDENOC )فإذا دخل أغلقت بابها و قطعت جذبها و استغلقت و احصنت و صدّت الملائين الأخرى من الخطّاب و ردّتهم خائبين ليموتوا حزناً و أسفاً.

فهل إن ذلك كله عن علم لهذين الزوجين، حينما هما دودانصغيران يختلقان على علم بشراً سوياً، ثم هذا البشر يعجز أن يخلق بعوضة فما فوقها؟!

أو عن صدفة عشواء هي أسوء حالًا!

أو أن ورائها خلافاً حكيماً قديراً يدبرهما، سبحان الخلاق العظيم!.

فلله ما أعلم هذه الخطايا بالخلق و ما أقدرها عليه حين تخلق من أنفسها إنساناً كاملًا و هي حَيَوان صغار، ثم ما أعجزها حين تصبح هي إنساناً، عين أن يخلق ذباية!!! سبحان الخلاق العظيم.

العلوم الرياضية تحيل الصدف‏

كرسى موريسن‏ «1»:

 «لسنا إلّا في فجر العلوم، و لكن كل إلمامه جديدة، و كل تزايد لنور المعرفة، تأتينا

______________________________

 (1)-/ رئيس المجمع العلمي في نيويورك سابقاً، ينقلها عنه كتاب «اللَّه محبة، من ص 86»

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 142

ببرهان جديد على: أن كوننا هو حقاً صنيعة عقلٍ خلاق فعّال.

كذا يعتمد الإيمان على المعرفة، و يشعر العالم في كل مرحلة جديدة يقطعها: إنه يقترب من اللَّه.

و قد وجدت في العالم شخصيّاً سبع علل كبرى أرسي عليها دعايم ايماني:

1- إن الرياضيات التي تُسلِّحني بالحجة الأولى، غير القابلة التنفيذ، و تمكِّن لكل منّا أن يقيم البرهان العلمي على صحة هذه الحجة:

ضع في جيبك عشر قطع نقود مرقَّمة، من الواحد إلي العشرة، خضخضها جيّداً حتي تختلط، حاول الآن أن تخرجها مبتدئاً بالرقم الواحد إلى العاشر متدرجاً بالترتيب، و أنت بالطبع في كل مرة تخرج قطعة تعيدها إلى جيبك، و تخضخض قبل أن تحسب القطعة التالية.

إن إحتمال إخراج القطعة رقم (1) من المرة الأولى- هو رياضيّاً- بنسبة احد إلى عشرة.

فأمّا أن تخرج بالتتابع (1) و بعده (2) فذلك قد يصدف مرة من مائة، و قد تقع مرة من ألف، على: 1- 2- 3 بالتتالي.

أما إحتمال نجاحك في استخراج القطع العشر في ترتيبها العدديّ، فلا يمكن أن يتفق إلا مرة من عشر مليارات مرة- هو رقم خيالي- أليس كذلك؟

شرطٌ أوّل: تدور الأرض على محورها بسرعة (1600) كيلومتراً في الساعة إذا حسبنا السرعة على خط الإستواء، فلنفرض أن سرعة الدوران هذه انخفضت إلى عشر قيمتها، سينتج أنه: خلال نهار يدوم عشرات مرات، مايدومه نهارنا الحالي، ستمحق حرارةُ الشمس نباتَ كرتنا، و أنه: لو بقى شي‏ءٌ منها حياً، لتعرَّض في غالب الإحتمالات للتجمّد، خلال ليالٍ تساوي إحداها عشراً من ليالينا الخاضرة.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 143

شرطٌ آخر: لوجودنا- الشمس- و هي منبع الحياة، تبلغ حراة سطحها (5500) درجة مئوية، و الأرض تقع بالضبط على مسافة تسمح لهذه النار الدائمة بأن تدفئنا بالقدر الذي نحتاج إليه.

و لو لم تكن الشمس تجود إلا بنصف إشعاعها القيمة، لتجمَّدنا برداً.

و لو تلقيناً من هذه الإشعائات مقدار ما نلتقي مزاداً عليه نصف المقدار لأحرقنا.

فصول الشمس يوّلدها ميل محور الأرض ميلًا يشكلِّ زاوية قدرها (23) درجة، و لولاها و هذا الميل لتبخرت مياه البحار في إتجاهين فقط: الشمالي و الجنوبي و لتراكمت قارّات من الجليد تدريجياً على القطبين.

إنّ القمر يتحكم بحراره البحار، فلنفرض أنه اقترب حتى مسافة (000، 80) كيلومتراً من الأرض، فستغمر لجج مدِّ جبّار قارات بتمامها، و ذلك مرتين في اليوم الواحد.

لننتقل الآن إلى قشرة الأرض، و لنفرض أن سماكتها زادت ثلاثة أمتار، فسيتلاشى عندئذٍ مولِّد الحموضة: (الأكسجين) اللازم لكل حياة حيوانية.

و إن فرضنا على العكس: أن المحيطات أعمق مما هي عليه بمتر أو مترين، إذن لتبع ذلك تلاشي الحياة النباتية، لإنعدام الفحم (الكربون) و مولِّد الحموضة: (الاكسيجن).

هذه الحقايق و كثيراً غيرها تثبت أنه:

لم يكن إحتمالٌ من مليارات الإحتمالات: أن تظهر الحياة على كوكبنا، لو كان ظهورها عائداً للصُّدف ..»

و أقول أنا: إن تكرار الحياة و تواترها، يجعل الصدف فيها مستحيلًا، لا أنه إحتمال و لو واحداً في ملائين المليارات المليارات!.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 144

يوسف مروّة اللبناني‏ «1»:

 «من الملاحظ لدى جميع العلماء من فلكيين و فزيائين و كيميائين و بيولوجين: أن الكون يسوده النظام و الترتيب، و هذا ما يدعوا الإنسان العاقل للرجوع بفكره و عقله إلى المدبر الأعظم المنظِّم العاقل الذي يشرف على كل عمليات التنظيم و الترتيب، التي تتصف بها حركات و تصرفات جميع الجمادات و المخلوقات الحيّة في هذا الكون:

نسوج العناكب تحيل الصدف:

إنّ دقة التنظيم و الترتيب، التي كشفت عنها أبحاث العلم الحديث في ميادين عديدة، تدعو للعجب و التأمل و الفتكر، فقد كشف بعض علماء الحشرات الآلمان، عن أن بعض العناكب تنسج خيوطاً دقيقة جداً، إذ إنها تنسج بيوتها من خيوط، كل خيط منها مؤلف من أربعة خيوط أدق منه، و كل واحد من هذه الخيوط الأربعة مؤلف من ألف خيط، و كلواحد من الألف يخرج من قناة خاصة في جسم العنكبوت، و هذا يعني أن كل خيط ينقسم إلى (4* 10000/ 4000) خيطاً.

و ذكر بعض العلماء الآلمان الباحثين في هذا الميدان: أنه إذا ضم أربعة بلاثين خيط (000، 000، 4000) بعضها الى بعض، لم تكن أغلظ من شعرة واحدة من شعر لحيته مع العلم أن متوسط شعر اللحية لا يتجاوز 1/ 0 ميليمتر، و بذلك فإن قطر مقطع الخيط الذي تنسجه العنكبوت يساوي (1) على (000، 000، 000، 40) من الميليمتر، و أن الكيفية التي خلق اللَّه بها في جسم العنكبوت ألف ثقب يخرج منها ألف خيط في آن واحدٍ، حيث يخرج الخيط الدقيق فيتجمع كل ألف خيط في خيط أغلظ، و من الخيوط الجديدة يتجمع كل أربعة سوية لتشكيل خيط أكبر، و هكذا تتجمّع الخيوط لتنشأ مسكناً و مصيدة

______________________________

 (1)-/ في كتابه: العلوم الطبيعية في القرآن‏

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 145

للعنكبوت، لتدعو العاقل و العالم و المؤمن إلى التفكير في عظمة الخالق.

و هذا ما يقول اللَّه تعالى‏ «و إنَّ اوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون» و قد أثبتت البحث العلمي من تحليل و تجزئه حقيقية و هن بيت العنكبوت، كما أسلفنا.

فقد جاوزت خيوط العنكبوت الحدّ المعروف في الدقة و تناهت في التجزئة و جاءت برهاناً ساطعاً على النظام البديع و الإتقان الفائق للصنعة الإلهية.

أعصاب المخ تحيل الصدف:

و بينَّت الأبحاث الجارية حول تركيب المخ البشري أنه يتألف من:

000، 000، 40- عصب- لكل واحد منها وظيفته الخاصة به، و إذا قام أحدها بوظيفة سواها، أو أخطأ في حسِّ أو إدراكٍ مّا، إذاً يفسد عمل الجهاز العصبي باسره.

و يشير حساب الاحتمالات‏( YTITIBABORP )إلى أنه ليس هناك أية صدفة عشوائية( MOBNAR )تجعل عشرين مليون عصب تترتب بهذا الترتيب الدقيق، حتى تتوارد عليها الإحساسات فتشعر بواسطتها روح الجسم بالأحداث الخارجية إن روح الجسم مستقل عن أجهزته، كاستقلال الصوت الذي ينقله جهاز الراديو عن الأجهزة و الأنابيب الدقيقة التي يتألف منها، أو كاستقلال الصورة التي تظهر عن شاسة التليفيزيون نفسه.

إن الإحتمال الذي يجعل عشرين مليون عصب تترتب ترتيباً هندسيّاً معيّناً فتؤدي عملها الدقيق، هو واحد من 10 متبوعة بعشرين مليون صفر- أي:

00010، 000، 130/ 00010، 000، 110

و مآل هذه النسبة الصفر.

و لأن ما خلقه اللَّه من عوالم و أكوان، بما فيها من جمادات و مخلوقات حيّة لا يقع تحت العدد و الحصر و الإحصاء، إذاً تكون النسبة.

حوار بين‏الالهيين والماديين، ص: 146

110/ 1/ 0 صفر

و هذا يعني: أن العقل البشري العلمي الرياضي و الفلسفي، لا يمكن أن يقبل أبداً بوجود صدفة عشوائية وراء ترتيب الكون و تنظيم أحداثه.

و قد وضع الرياضي (دي موافر) نظرية الإحتمال العشوائي التي وضعها العالمين «لابرنويللي و تشيبيشيف» بالمثالا لتالي، الذي يدخص نظرية الخلق العشوائي:

 «إننا لو وضعنا في صندوق عشر قطع معدنية مصنوعية من نفس المعدن و متماثلة في الشكل و الوزن و اللون، و رقمناها من 1- الى- 10 بالترتيب، فالإحتمال في أن نعثر على الرقم (1) هو واحد من عشرة، و الإحتمال أن نظفر بالرقمين (1- 2) بصورة متتالية، يكون واحد من مائة، و إذا أردنا أن نظفر بثلاثة أرقام متتالية (1- 2- 3) فدرجة الإحتمال تكون واحد من ألف، و إذا أردنا أن نوفق إلى سَحْب الأرقام من (1- إلى- 10) بصورة متتالية، فمرتبة الإحتمال تكون واحداً نم عشرة آلاف مليون.

و إذا علمنا أن المخلوقات المنتظمة المرتبة في هذا الكون مختلفة و متعددة جداً و أن ا خلق اللَّه من الموجودات تكاد لا تتناهى، و أن الترتيب في هذه الموجودات يختلف و يتمايز بعض من بعض، إذن ستكون مرتبة الإحتمال للصدف العشوائية:

110/ 1/ 0 صفر

و هذا يعني: أن ليس هناك في خلق الكون من صدقة عشوائية أبداً، بل إن كل ما في الكون قد رُتب و نظم قبل المهندس الأعظم: اللَّه تبارك و تعالى‏.

حروف التكوين:

... و أقول أنا: إن حروف التكوين في المرحلة التي وصلت إلى علم البشر حتى اليوم- هي 106 حرفاً- أي: ذرة، على أنها ليست هي الحروف البسيطة الأصلية.

ثم إن مختلف تراكيب التكوين إنما هي حصيلة المزاوجات الخاصة بين هذه الذرات‏